سياسة

ظاهرة معيشة الشباب مع والديهم تبلغ مستوى قياسيا في أمريكا رغم توفر الوظائف

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٥ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:١٨ ص4 دقائق قراءة
ظاهرة معيشة الشباب مع والديهم تبلغ مستوى قياسيا في أمريكا رغم توفر الوظائف

أظهرت بيانات جديدة أن 25 مليون شاب أمريكي تحت سن 35 يعيشون مع والديهم، وهو رقم قياسي. الظاهرة لا ترجع إلى البطالة بل إلى ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة.

بلغ عدد الشباب الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما ويعيشون مع والديهم رقما قياسيا جديدا بلغ 25 مليونا، وفقا لأحدث الإحصاءات. هذا الرقم يعكس تحولا عميقا في أنماط المعيشة بين جيل الألفية والجيل زد، حيث أصبح الاعتماد على الأسرة خيارا إجباريا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. على عكس ما قد يظنه البعض، فإن هذه الظاهرة ليست ناجمة عن نقص في فرص العمل. إذ تشير البيانات إلى أن معدلات البطالة بين الشباب منخفضة نسبيا، بل إن الكثير من هؤلاء يعملون بدوام كامل. لكن الأجور لم تواكب الارتفاع الحاد في تكاليف الإيجار والضروريات الأساسية، مما يجعل فكرة الاستقلال السكني حلما بعيد المنال. ويعود هذا الارتفاع القياسي إلى عدة عوامل اقتصادية مترابطة. أولا، شهدت أسعار المساكن زيادات كبيرة في معظم المدن الأمريكية الكبرى، خاصة في المناطق الساحلية التي تتركز فيها فرص العمل. ثانيا، تضخمت تكاليف التعليم والصحة والنقل، مما أضعف القدرة الشرائية للشباب. ثالثا، أدى التضخم العام إلى تآكل قيمة المدخرات، مما صعّب تجميع مقدمات شراء المنازل. كما أن التحولات الاجتماعية والثقافية تلعب دورا في هذه الظاهرة. ففي الماضي، كان الانتقال إلى منزل مستقل علامة على النضج والنجاح. أما اليوم، فأصبح العيش مع الوالدين مقبولا اجتماعيا على نطاق أوسع، خاصة مع تأخر سن الزواج وزيادة التركيز على الاستقرار المهني قبل تكوين أسرة. هذا الاتجاه يحمل تداعيات كبيرة على الاقتصاد الأمريكي. فمن ناحية، يؤدي إلى تقليل الطلب على المساكن الجديدة، مما قد يبطئ قطاع البناء. ومن ناحية أخرى، يعزز الاستهلاك الجماعي داخل الأسر متعددة الأجيال، مما قد يغير أنماط الإنفاق. كما أن له آثارا على سوق العمل، حيث قد يقلل من التنقل الجغرافي للشباب بحثا عن فرص أفضل. في المستقبل، من المرجح أن تستمر هذه الظاهرة ما لم تُتخذ إجراءات جذرية لمعالجة أزمة الإسكان، مثل زيادة المعروض من المساكن بأسعار معقولة أو تقديم حوافز للشباب لشراء المنازل. لكن دون مثل هذه السياسات، قد يصبح العيش مع الوالدين هو القاعدة وليس الاستثناء في أمريكا.

رأي ستاف كوانتم

تثير هذه الظاهرة تساؤلات عميقة حول مستقبل الاقتصاد الأمريكي والنموذج الاجتماعي السائد. من ناحية، يمكن النظر إليها كنتيجة حتمية لتباعد الدخل عن تكاليف المعيشة، حيث أن أسعار المساكن ارتفعت بنسبة تفوق نمو الأجور بكثير خلال العقدين الماضيين. هذا التباعد يجعل حتى الشباب ذوي الدخل الجيد عاجزين عن تحمل تكاليف الاستقلال، مما يضعف فكرة 'الحلم الأمريكي' القائم على امتلاك منزل.

بالنظر إلى السياق التاريخي، نجد أن نسب العيش مع الوالدين كانت منخفضة خلال فترة الازدهار الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، حين كانت الأجور مرتفعة والمساكن رخيصة. لكن منذ الأزمة المالية عام 2008، بدأت هذه النسبة في الصعود التدريجي، لتصل إلى ذروتها الحالية. وبينما تعافى سوق العمل جزئيا، فإن هيكل الاقتصاد تغير نحو وظائف أقل أمانا وأجورا أقل، مما زاد من هشاشة وضع الشباب.

من الناحية الإقليمية، تتفاوت الظاهرة بين الولايات الأمريكية. ففي الولايات ذات تكاليف المعيشة المرتفعة مثل كاليفورنيا ونيويورك، تكون النسبة أعلى بكثير من الولايات الأرخص مثل تكساس أو أوهايو. لكن حتى في تلك الولايات، فإن ارتفاع أسعار الفائدة على الرهون العقارية جعل الشراء صعبا حتى في المناطق الأقل تكلفة.

أما على المستوى السياسي، فإن هذه الظاهرة تشكل تحديا للحكومات المحلية والاتحادية. فبدون سياسات إسكانية جريئة، قد تتفاقم الفجوة بين الأجيال، حيث يمتلك الآباء المساكن بينما يظل أبناؤهم عالقين في دائرة الإيجار أو العيش مع العائلة. بعض المحللين يرون أن الحل يكمن في بناء مساكن اجتماعية أو تقديم إعانات إيجار، بينما يرى آخرون أن تحرير قوانين البناء لزيادة العرض هو السبيل الوحيد.

توقعاتي المستقبلية تشير إلى أن النسبة ستستمر في الارتفاع خلال السنوات القادمة، خاصة إذا استمرت أسعار الفائدة مرتفعة أو إذا حدث ركود اقتصادي. لكن على المدى البعيد، قد يؤدي هذا الوضع إلى تغييرات جذرية في مفهوم الأسرة والمجتمع، مثل زيادة الأسر متعددة الأجيال أو تحول الشباب إلى العمل الحر عن بعد للهروب من المدن المكلفة. في كل الأحوال، هذه الظاهرة ليست مجرد إحصاء، بل هي نافذة على تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة في أمريكا.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →