حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن أي تدخل في إدارة مضيق هرمز سيؤدي إلى تصعيد التوترات وتأخير إعادة فتح الممر المائي، وذلك وسط مؤشرات على محاولات بعض السفن تفادي المسارات الخاضعة لسيطرة طهران.
في تطور لافت يعيد إلى الواجهة أزمة الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم، جددت إيران تأكيدها على ما تصفه بـ"الإدارة الحصرية" لمضيق هرمز، محذرة من أي محاولات لتجاوز هذا الدور أو إنشاء ترتيبات موازية. جاء هذا التحذير على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال مؤتمر صحفي عقده في العراق، حيث شدد على أن أي تدخل خارجي في إدارة المضيق من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد التوترات وتأخير إعادة فتح الممر المائي.
ويأتي هذا الموقف الإيراني المتشدد في وقت تتصاعد فيه المؤشرات على أن بعض السفن بدأت تبحث عن مسارات بديلة لتفادي المناطق الخاضعة لسيطرة طهران، في خطوة قد تعكس تآكل الثقة في ضمانات إيران المتعلقة بسلامة الملاحة في المضيق. وأشار عراقجي إلى أنه بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة في وقت سابق من الشهر الجاري، فإن المضيق سيعود إلى طاقته التشغيلية الكاملة خلال 30 يوماً من إزالة العقبات، دون أن يحدد طبيعة هذه العقبات أو الجهة المسؤولة عنها.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية، مما يجعله نقطة حساسة في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. وقد شهد المضيق في السنوات الأخيرة عدة توترات، أبرزها احتجاز إيران لسفن تجارية وناقلات نفط، مما أثار مخاوف دولية من تأثير هذه الإجراءات على استقرار أسواق الطاقة.
ويرى مراقبون أن تحذير طهران الأخير يأتي في سياق محاولتها الحفاظ على نفوذها في المنطقة، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة عليها بسبب برنامجها النووي ودورها في الصراعات الإقليمية. كما يعكس هذا الموقف رغبة إيران في إظهار أنها لا تزال قادرة على التحكم في الممرات المائية الحيوية، رغم التحديات التي تواجهها.
من جهة أخرى، أشار عراقجي إلى أن الاتفاق الأخير مع الولايات المتحدة ينص على إزالة العقبات أمام الملاحة في المضيق، وهو ما قد يفسر على أنه اعتراف ضمني بوجود هذه العقبات ودور إيران في إزالتها. لكن طهران تبدو مصممة على عدم السماح لأي طرف آخر بالتدخل في إدارة المضيق، معتبرة ذلك مساساً بسيادتها.
ويبقى السؤال حول مدى قدرة إيران على فرض إدارتها الحصرية على المضيق في ظل التحركات الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة فيه، خاصة مع وجود قوات بحرية دولية في المنطقة تعمل على حماية السفن التجارية. كما أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن بعض الدول بدأت تبحث عن بدائل للمضيق، مثل خطوط أنابيب النفط البديلة أو تعزيز التعاون مع دول أخرى لتأمين طرق ملاحية جديدة.
في الختام، يبدو أن ملف مضيق هرمز سيبقى أحد أبرز نقاط التوتر في المنطقة، مع استمرار إيران في التمسك بدورها الحصري فيه، في وقت تسعى فيه القوى الدولية إلى إيجاد ترتيبات تضمن حرية الملاحة دون التصعيد مع طهران.
رأي ستاف كوانتم
التشديد الإيراني على الإدارة الحصرية لمضيق هرمز ليس جديداً، بل هو امتداد لسياسة طهران في استغلال الممرات المائية كورقة ضغط في مفاوضاتها الإقليمية والدولية. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، لعبت إيران دوراً محورياً في مضيق هرمز، حيث هددت مراراً بإغلاقه في وجه النفط الخليجي كرد على العقوبات أو التهديدات الخارجية. وقد برز هذا التوجه بوضوح خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حين شنّت إيران هجمات على ناقلات النفط في محاولة لعرقلة صادرات العراق وحلفائه.
اقتصادياً، يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لأسواق الطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو 17 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي. وأي اضطراب في الملاحة عبره يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، كما حدث في 2019 عندما هاجمت طهران ناقلات نفط في المضيق، مما أدى إلى قفزة في الأسعار بنسبة 15% في غضون أيام. لذلك، فإن تمسك إيران بالإدارة الحصرية للمضيق ليس مجرد مسألة سيادية، بل هو أداة اقتصادية وجيوسياسية بامتياز.
على المستوى الإقليمي، يأتي هذا الموقف الإيراني في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبرى، أبرزها التقارب الخليجي مع إسرائيل عبر اتفاقيات أبراهام، وهو ما يزيد من شعور طهران بالحصار والتهديد. كما أن الضغوط الدولية المتصاعدة بسبب البرنامج النووي الإيراني تجعل من المضيق ورقة ضغط أساسية في أي مفاوضات مستقبلية. ومع ذلك، فإن الإصرار الإيراني على الإدارة الحصرية قد يأتي بنتائج عكسية، حيث قد يدفع الدول الخليجية والغربية إلى تسريع مشاريع بديلة، مثل خط أنابيب الحديدة اليمني أو التعاون مع العراق لتأمين طرق برية لنقل النفط.
من الناحية العسكرية، تبدو إيران غير قادرة على فرض حصار كامل على المضيق في مواجهة القوات البحرية الدولية، لكنها تمتلك قدرات غير متماثلة، مثل الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ المضادة للسفن، مما يجعل أي مواجهة في المضيق مكلفة للجميع. لذلك، تسعى طهران إلى تحقيق توازن دقيق بين إظهار القوة وتجنب الصدام المباشر مع القوى الكبرى.
في المستقبل، من المرجح أن تبقى أزمة مضيق هرمز قابلة للاشتعال بين الحين والآخر، مع استمرار إيران في استخدامه كورقة تفاوض، بينما تعمل القوى الدولية على تعزيز آليات الأمن البحري في المنطقة. لكن الحل الدائم يتطلب تسوية شاملة للأزمات الإقليمية، بما في ذلك الملف النووي الإيراني والنفوذ الإيراني في اليمن وسوريا والعراق. وحتى ذلك الحين، سيظل مضيق هرمز نقطة توتر دائمة تهدد استقرار أسواق الطاقة والسلام الإقليمي.