وصل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق في أول زيارة رسمية منذ تغيير السلطة في سوريا، تلبية لدعوة نظيره أسعد الشيباني. تأتي الزيارة في ظل تحولات إقليمية معقدة، حيث يسعى العراق إلى تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي مع الإدارة الجديدة في سوريا، وسط ترقب دولي لطبيعة العلاقات المستقبلية بين البلدين.
شهدت العاصمة السورية دمشق، الاثنين، وصول وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها منذ التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا مؤخراً. وجاءت الزيارة تلبية لدعوة وجهها إليه نظيره السوري أسعد الشيباني، في خطوة تعكس حرص بغداد على بناء جسور التواصل مع القيادة السورية الجديدة.
ويرأس حسين وفداً دبلوماسياً رفيع المستوى يضم مسؤولين في مجالات الأمن والطاقة والتجارة، مما يشير إلى أجندة واسعة للزيارة تتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية. ومن المتوقع أن تشمل المحادثات ملفات حيوية مثل أمن الحدود المشتركة التي تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وملف اللاجئين السوريين في العراق، بالإضافة إلى سبل تعزيز التبادل التجاري والاستثماري.
وتأتي هذه الزيارة في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية كبرى، حيث تسعى الدول العربية إلى إعادة تعريف علاقاتها مع سوريا بعد سنوات من القطيعة إبان الحرب. ويحظى العراق بعلاقات تاريخية مع سوريا، كما أنه أحد اللاعبين الإقليميين القلائل الذين حافظوا على قنوات اتصال دبلوماسية مع دمشق طوال فترة الأزمة.
وكانت مصادر دبلوماسية عراقية قد أشارت إلى أن الزيارة تهدف إلى "تنسيق المواقف حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك"، مع التركيز على الاستقرار في المنطقة الحدودية التي تشهد توترات أمنية بين الحين والآخر. كما يتوقع أن يبحث الجانبان سبل إحياء اتفاقيات التعاون الاقتصادي الموقعة بين البلدين، خاصة في قطاعي الطاقة والنقل.
من جهة أخرى، تشير تحركات العراق الدبلوماسية إلى رغبة بغداد في لعب دور الوسيط بين سوريا والمجتمع الدولي، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها دمشق في مجال إعادة الإعمار ورفع العقوبات. وقد سبق للعراق أن استضاف جولات حوار بين مسؤولين سوريين ودوليين، مما يعزز فرص نجاح هذه الوساطة.
ويراقب المراقبون هذه الزيارة عن كثب، معتبرين أنها اختبار لمدى قدرة الإدارة السورية الجديدة على بناء علاقات متوازنة مع جيرانها العرب، في وقت تشهد فيه المنطقة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً. كما تكتسب الزيارة أهمية خاصة في ضوء التقارير التي تتحدث عن وجود تنظيمات متطرفة في البادية السورية قرب الحدود العراقية، مما يضع ملف التعاون الأمني على رأس الأولويات.
رأي ستاف كوانتم
تكتسب زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق أبعاداً استراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي، إذ تعكس تحولاً في المشهد الإقليمي بعد سنوات من الجمود. فالعراق الذي عانى من ويلات الحرب والتطرف يدرك جيداً أن استقرار سوريا هو جزء لا يتجزأ من استقراره، خاصة في ظل التهديدات العابرة للحدود التي شكلتها تنظيمات مثل داعش سابقاً. ومن هنا تأتي أهمية التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق، الذي قد يشكل نموذجاً للتعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب.
على الصعيد الاقتصادي، يحمل الملف التجاري بين البلدين فرصاً واعدة، حيث يمكن للعراق أن يكون بوابة لسوريا نحو الأسواق الخليجية والعكس. كما أن التعاون في مجال الطاقة، خاصة فيما يتعلق بنقل النفط والغاز، قد يسهم في تخفيف الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها سوريا. غير أن الطريق إلى تحقيق هذه الفوائد لا يخلو من عقبات، أبرزها العقوبات الغربية المفروضة على دمشق والتي قد تعرقل أي شراكات اقتصادية كبيرة.
وعلى المستوى السياسي، تسعى بغداد من خلال هذه الزيارة إلى تعزيز دورها كوسيط إقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. ففي الوقت الذي تحافظ فيه العراق على علاقات جيدة مع إيران وتركيا، فإنها تسعى أيضاً إلى أن تكون جسراً بين سوريا والعالم العربي. وهذا الدور الوسيط قد يمنح العراق ثقلاً دبلوماسياً في المنطقة، لكنه في الوقت نفسه يضعه في موقف حساس يتطلب توازناً دقيقاً بين المصالح المتعارضة.
في السياق الإقليمي الأوسع، تأتي الزيارة في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للأولويات، حيث تتجه أنظار الدول العربية نحو الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية بعد سنوات من الاضطرابات. وتمثل سوريا بعد تغيير السلطة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام الإقليمي على استيعاب التحولات واحتواء تداعياتها. وإذا نجح العراق في لعب دور فاعل في هذا المسار، فقد يكون لذلك تأثيرات إيجابية على الاستقرار في بلاد الشام بأكملها.
من الناحية التاريخية، تذكرنا هذه الزيارة بالعلاقات الوثيقة التي جمعت العراق وسوريا في العقود الماضية، من الوحدة العربية الفاشلة في الخمسينيات إلى التعاون في حرب أكتوبر 1973. ورغم القطيعة التي شهدتها العلاقات في فترات سابقة، إلا أن الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تفرض نوعاً من التقارب الدائم بين البلدين. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القيادة السورية الجديدة استثمار هذا الزخم الدبلوماسي لتحقيق تقدم ملموس على صعيد الاستقرار وإعادة الإعمار، أم ستبقى الزيارات مجرد لقاءات شكلية دون نتائج عملية؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.