أكد مسؤول أمريكي بارز أن المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال تسير وفق الخطة المتفق عليها، رغم الضربات والتصعيد العسكري في الأيام الأخيرة. وأشار إلى أن قنوات التنسيق تعمل بكامل طاقتها بعد قمة لوسيرن في سويسرا.
في تطور دبلوماسي لافت، كشف مسؤول أمريكي كبير أن المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران المتعلقة بتنفيذ مذكرة التفاهم لا تزال تجري وفق الجدول الزمني المحدد، على الرغم من التصعيد العسكري الأخير في المنطقة. وأوضح المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن "لم يُلغَ أي شيء. المحادثات الفنية بشأن تنفيذ مذكرة التفاهم تسير وفق الخطة الموضوعة خلال الأيام المقبلة، وقنوات التنسيق تعمل بكامل طاقتها بعد قمة لوسيرن".
هذه التصريحات تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الإيرانية توتراً متزايداً على خلفية سلسلة من الضربات المتبادلة في الشرق الأوسط. إلا أن المسؤول شدد على أهمية المسار الفني المنفصل عن التصعيد، معتبراً أنه يمثل آلية ضرورية لضمان عدم انزلاق الأمور إلى مواجهة شاملة. وأضاف أن قمة لوسيرن التي عُقدت مؤخراً في سويسرا برئاسة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، أسست لقنوات اتصال مباشرة بين الجانبين، مما سهل استمرار الحوار الفني رغم الظروف الصعبة.
وتتعلق مذكرة التفاهم بين البلدين بملفات فنية معقدة، تشمل برنامج إيران النووي والأنشطة الصاروخية، إضافة إلى ترتيبات أمنية إقليمية. ويرى مراقبون أن استمرار هذه المحادثات رغم التصعيد يعكس رغبة الطرفين في الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، تجنباً لسوء التقدير الذي قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة.
من جهة أخرى، رفض المسؤول الأمريكي التعليق على تفاصيل المحادثات أو موعد الجولة المقبلة، مكتفياً بالقول إن "الأمور تسير كما هو مخطط لها". وأكد أن واشنطن لا تزال ملتزمة بالدبلوماسية كوسيلة لحل الخلافات مع طهران، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بحقها في الرد على أي تهديدات.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه التكهنات حول إمكانية عقد جولة جديدة من المفاوضات بين الجانبين، بعد أشهر من الجمود. وكانت آخر جولة من المحادثات قد عُقدت في فيينا قبل عدة شهور، دون تحقيق تقدم يذكر. لكن مسؤولين أمريكيين أشاروا إلى أن قمة لوسيرن أعطت زخماً جديداً للمسار الدبلوماسي.
وفي سياق متصل، حذرت مصادر دبلوماسية من أن التصعيد العسكري في المنطقة قد يقوض هذه الجهود إذا استمر. لكن المسؤول الأمريكي بدا متفائلاً، مؤكداً أن "القنوات تعمل، والمحادثات مستمرة". واختتم تصريحه بالقول: "نحن نراقب الوضع عن كثب، ونأمل أن تؤدي هذه المحادثات إلى نتائج ملموسة في المستقبل القريب".
هذا التطور الدبلوماسي يكتسب أهمية خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، حيث يسعى الطرفان إلى تجنب أي تصعيد غير محسوب قد يخرج عن السيطرة. وتبقى الأنظار متجهة إلى الجولة المقبلة من المحادثات، والتي قد تحدد مسار العلاقات بين البلدين في المرحلة القادمة.
رأي ستاف كوانتم
التحليل التحريري:
استمرار المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران رغم التصعيد العسكري الأخير يحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد كونها مساراً تقنياً. في الواقع، يمكن قراءة هذا التطور على أنه اعتراف ضمني من الطرفين بأن المواجهة المباشرة غير مرغوب فيها، وأن الدبلوماسية تبقى السبيل الوحيد لتجنب كارثة إقليمية.
من الناحية التاريخية، تعود جذور هذا الملف إلى أكثر من عقدين من الجمود في العلاقات الأمريكية الإيرانية، مروراً بالاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018، وصولاً إلى المحاولات الحالية لإحياء التفاهمات. لكن الجديد هنا هو الفصل بين المسار الفني والتصعيد العسكري، وهو ما يشبه إلى حد كبير نموذج "النقاش والقتال" الذي طبقته الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية في فترات سابقة.
اقتصادياً، فإن استمرار المحادثات يعني أن الأسواق العالمية قد تتجنب هزة كبيرة، خاصة في أسعار النفط التي تتأثر مباشرة بأي توتر في الخليج. كما أن أي اتفاق محتمل قد يفتح الباب أمام رفع جزئي للعقوبات، مما يسمح لإيران بزيادة صادراتها النفطية، وهو ما يخدم استقرار الأسواق.
سياسياً، يعكس التصريح الأمريكي حالة من الانقسام داخل الإدارة الأمريكية بين تيار يؤمن بالدبلوماسية وتيار يميل إلى الخيار العسكري. فالإصرار على استمرار المحادثات رغم الضربات الأخيرة يشير إلى أن التيار الدبلوماسي لا يزال هو المسيطر، على الأقل في هذا الملف.
على الصعيد الإقليمي، فإن استمرار الحوار بين واشنطن وطهران يثير قلقاً لدى بعض الدول، خصوصاً تلك التي ترى في إيران تهديداً وجودياً. لكن في المقابل، قد يؤدي أي تقدم في المحادثات إلى تخفيف التوترات في اليمن ولبنان وسوريا، حيث تلعب إيران أدواراً محورية.
أما بالنسبة للتوقعات المستقبلية، فمن المرجح أن تشهد الأسابيع المقبلة جولة جديدة من المحادثات في مكان محايد مثل عمان أو الدوحة، مع احتمالية تحقيق تقدم محدود في الملفات الأقل تعقيداً، مثل تبادل السجناء أو تجميد جزء من الأنشطة النووية مقابل تخفيف العقوبات. لكن الاتفاق الشامل يبدو بعيد المنال في ظل التصعيد المستمر.
في الختام، يمكن القول إن استمرار المحادثات الفنية يعد مؤشراً إيجابياً، لكنه ليس كافياً لبناء الثقة بين الطرفين. فالتصعيد العسكري يظل عقبة رئيسية أمام أي تقدم حقيقي، مما يجعل الشهور المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان المسار الدبلوماسي سينجح أم سينهار تحت وطأة الأحداث.