في كشف أمني جديد يسلط الضوء على حرب الظل الإلكترونية المستعرة بين القوى الكبرى، أعلن جهاز الأمن الأوكراني (SSU) عن نجاحه بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) في تفكيك شبكة تجسس إلكتروني منظمة يُعتقد أنها تابعة لأجهزة الاستخبارات الروسية. استهدفت هذه الشبكة على مدى سنوات حسابات المراسلة الفورية لشخصيات حساسة في أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة.
وبحسب التحقيقات، اعتمدت الحملة على أسلوب خادع يتمثل في إرسال رسائل نصية تظهر وكأنها من خدمات الدعم الفني لمنصات المراسلة الشهيرة، تدعو المستهدفين إلى تحديث بياناتهم أو تأكيد حساباتهم عبر روابط ضارة. وبمجرد النقر على هذه الروابط، كانت تُسرق بيانات الدخول (credentials) مما يمنح المخترقين وصولاً كاملاً إلى الحسابات.
وقد طالت هذه الهجمات فئات حساسة تشمل مسؤولين حكوميين أوكرانيين، وعسكريين في الخطوط الأمامية، ونشطاء سياسيين، وموظفين في مؤسسات حيوية. ولم تقتصر العمليات على أوكرانيا وحدها، بل امتدت لتطال شخصيات في دول أوروبية والولايات المتحدة، مما يشير إلى نطاق جغرافي واسع للعملية.
وأكدت المصادر الأمنية أن التحقيقات كشفت عن استخدام المهاجمين لبنية تحتية رقمية معقدة تتضمن خوادم وسيطة وعناوين IP متغيرة لإخفاء هويتهم. كما تم ربط الحملة بمجموعات قرصنة معروفة بارتباطها بالاستخبارات الروسية، والتي سبق أن نفذت هجمات إلكترونية ضد منشآت حيوية وأهداف حكومية.
وصف المسؤولون الأوكرانيون هذه العملية بأنها "محاولة منهجية لزعزعة الأمن السيبراني للدولة"، مشيرين إلى أن اختراق حسابات المسؤولين قد يتيح للخصم الوصول إلى معلومات استخباراتية حساسة، وتوجيه الحملات الدعائية، أو حتى انتحال شخصياتهم لبث رسائل مضللة. وقد عملت الفرق الأمنية على مدار الساعة لتعقب المهاجمين وإغلاق الثغرات التي استغلوها.
من جانبها، أكدت مصادر أمريكية أن مكتب التحقيقات الفيدرالي قدم دعماً تقنياً ولوجستياً كبيراً لكشف هذه الشبكة، في إطار التعاون الأمني المتنامي بين واشنطن وكييف في مواجهة التهديدات السيبرانية الروسية. ويُعتقد أن الحملة استمرت لعدة سنوات دون أن يتم اكتشافها بشكل كامل حتى الآن.
ويأتي هذا الكشف في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً في الحرب الإلكترونية، حيث تتبادل الأطراف الاتهامات بشن هجمات سيبرانية تستهدف البنى التحتية الحيوية. وقد أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 إلى تسريع الجهود الأوكرانية لتعزيز دفاعاتها السيبرانية، مع دعم غربي كبير في هذا المجال.
وتُظهر هذه القضية كيف أصبحت الحرب الإلكترونية جزءاً لا يتجزأ من الصراع الحديث، حيث تستخدم الدول القوى الناعمة والخبيثة لتحقيق أهداف استراتيجية دون إطلاق رصاصة واحدة. كما تبرز أهمية التعاون الدولي في مكافحة الجرائم السيبرانية التي لا تعترف بالحدود الجغرافية.
ودعا خبراء الأمن السيبراني المؤسسات والأفراد إلى تعزيز وعيهم بهذه التهديدات، خاصة تلك التي تستخدم الهندسة الاجتماعية كأداة رئيسية للاختراق. وأوصوا بتفعيل المصادقة الثنائية (2FA) وتجنب النقر على الروابط غير الموثوقة، بالإضافة إلى تدريب الموظفين على التعرف على رسائل التصيد الاحتيالي.
ويواصل جهاز الأمن الأوكراني ومكتب التحقيقات الفيدرالي تحليل البيانات المضبوطة لتحديد المدى الكامل للاختراقات والأضرار التي لحقت بالأهداف. ومن المتوقع أن تؤدي هذه التحقيقات إلى كشف المزيد من الخلايا والعمليات المرتبطة بهذه الشبكة التجسسية.
في الختام، يُعد هذا الإعلان دليلاً إضافياً على أن المعركة بين أوكرانيا وروسيا تتجاوز الميدان العسكري لتشمل الفضاء الرقمي، حيث أصبحت البيانات والمعلومات سلاحاً استراتيجياً بامتياز.
