شهدت المناطق الجنوبية من سوريا، ولا سيما محافظتا درعا والقنيطرة، تصعيداً عسكرياً ملحوظاً خلال الساعات الماضية، تمثل في توغلات لجيش الاحتلال الإسرائيلي وقصف استهدف عدداً من المواقع. وأفادت مصادر محلية بأن القصف الإسرائيلي تركز على أطراف بلدات في ريف درعا الغربي ومنطقة القنيطرة، مما أسفر عن أضرار مادية في الممتلكات الخاصة والعامة، فضلاً عن تسجيل حالات نزوح محدودة لسكان القرى المجاورة خشية اتساع رقعة الاشتباكات.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه المنطقة الجنوبية من سوريا من هشاشة أمنية، نتيجة غياب السيطرة الحكومية الكاملة منذ سنوات، وانتشار فصائل محلية مسلحة وقوات دولية. ويرى مراقبون أن التوغل الإسرائيلي المتكرر في هذه المناطق يهدف إلى تعزيز مناطق عازلة غير رسمية، وقطع طرق إمداد محتملة لقوات موالية لإيران، في إطار استراتيجية أوسع لإضعاف النفوذ الإيراني في سوريا.
وأكدت تقارير ميدانية أن القوات الإسرائيلية استخدمت جرافات عسكرية لتمهيد طرق داخل الأراضي السورية، وأقامت نقاط مراقبة مؤقتة في بعض التلال المطلة على بلدات حدودية. في المقابل، اكتفت القوات السورية الرسمية بإصدار بيانات احتجاجية وإدانة للانتهاكات، دون اتخاذ إجراءات عسكرية رادعة، مما يعكس حالة الضعف التي تعاني منها الدولة السورية في هذه المرحلة.
ويشير محللون إلى أن التوتر الحالي ليس الأول من نوعه، بل هو ضمن سلسلة من الاختراقات الإسرائيلية التي بدأت تتزايد منذ عام 2023، خاصة بعد انسحاب قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أوندوف) من بعض النقاط. ويرون أن غياب رد دولي حازم يشجع إسرائيل على مواصلة عملياتها، مما يهدد بإشعال جبهة جديدة في المنطقة.
من جهة أخرى، أثارت هذه التطورات مخاوف السكان المحليين من تكرار سيناريو التهجير القسري الذي شهدته المنطقة خلال حرب 1967 و1973. وقد بدأت بعض العائلات في التوجه نحو مناطق أكثر أمناً داخل المحافظات السورية، بينما فضل آخرون البقاء رغم المخاطر، انتظاراً لتحسن الأوضاع.
وتأتي هذه الأحداث في سياق إقليمي معقد، حيث تشهد المنطقة توترات متصاعدة على عدة جبهات، من غزة إلى جنوب لبنان، مروراً باليمن والعراق. ويبدو أن الجنوب السوري أصبح ساحة جديدة للصراع بالوكالة بين إسرائيل وإيران، مما يهدد بزعزعة الاستقرار الهش الذي تعيشه سوريا منذ أكثر من عقد.
في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأبرز: هل ستتطور هذه التوغلات إلى مواجهة شاملة، أم ستبقى ضمن إطار العمليات المحدودة التي تهدف إلى تحقيق أهداف تكتيكية؟ الإجابة تعتمد بشكل كبير على مواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وعلى قدرة الحكومة السورية على فرض سيطرتها على أراضيها.
