في وقت تتركز فيه التوقعات حول قدرة روبوتات الدردشة على إحداث ثورة في الأعمال، تشير تحليلات جديدة إلى أن الإمكانات الحقيقية للذكاء الاصطناعي التوليدي قد تكمن في تطبيقاته على أرض المصنع. فبينما لا تزال روبوتات المحادثة تواجه تحديات تتعلق بالدقة والثقة، تبرز التطبيقات الصناعية كمجال واعد لتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يعتمد على نماذج لغوية ضخمة، بدأ يجد طريقه إلى خطوط الإنتاج. على عكس روبوتات الدردشة التي تهدف إلى محاكاة المحادثة البشرية، تُستخدم هذه التقنية في المصانع لتحسين عمليات التصميم، ومراقبة الجودة، والصيانة التنبؤية، وإدارة سلاسل التوريد. على سبيل المثال، يمكن للنماذج التوليدية تحليل بيانات الإنتاج الضخمة لتحديد الأنماط غير المرئية، ثم اقتراح تعديلات فورية في العمليات.
وفقاً لتقديرات خبراء الاقتصاد، فإن تبني هذه التقنيات على نطاق واسع في القطاع الصناعي قد يرفع إنتاجية العامل بنسبة تتراوح بين 10% و20% في بعض القطاعات. وهذا بدوره يمكن أن يضيف نحو 2% إلى الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات المتقدمة سنوياً. وتستفيد دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان من هذه التحسينات، حيث تمتلك قطاعات صناعية كثيفة رأس المال.
التطبيقات الصناعية للذكاء الاصطناعي التوليدي لا تقتصر على تحسين الكفاءة فقط، بل تمتد إلى الابتكار في المنتجات. ففي صناعة السيارات، تستخدم الشركات النماذج التوليدية لتصميم أجزاء أخف وزناً وأقوى، مما يقلل تكاليف الإنتاج ويحسن أداء المركبات. وفي مجال الإلكترونيات، تساعد هذه التقنية في تحسين تخطيط الدوائر المتكاملة، مما يؤدي إلى أجهزة أسرع وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
ومع ذلك، تواجه هذه التطبيقات تحديات، أبرزها الحاجة إلى بيانات ضخمة وموثوقة، فضلاً عن تكاليف التنفيذ المرتفعة. كما أن نقص المهارات الفنية لدى العمالة الحالية يشكل عقبة أمام التبني الواسع. لكن مع انخفاض تكاليف الحوسبة وتحسن النماذج، يتوقع أن تتسارع وتيرة الاعتماد.
في المقابل، تظل روبوتات الدردشة محصورة في مهام محدودة مثل خدمة العملاء وإنشاء المحتوى، وغالباً ما تعاني من مشكلات الهلوسة والتحيز. وهذا يجعلها أقل جاذبية للاستثمارات الكبيرة مقارنة بالتطبيقات الصناعية التي تقدم عائداً استثمارياً واضحاً.
التحول نحو الذكاء الاصطناعي التوليدي في المصانع لا يعني بالضرورة استغناءً عن العمالة البشرية، بل إعادة تعريف أدوارهم. فالعمال سيحتاجون إلى مهارات جديدة في التعامل مع الأنظمة الذكية، مثل تحليل البيانات وصيانة النماذج. وقد تشهد الاقتصادات المتقدمة تحولاً في هيكل الوظائف نحو وظائف ذات قيمة مضافة أعلى.
على الصعيد الإقليمي، قد تستفيد الدول الخليجية من هذه التطورات من خلال استثماراتها في الصناعات التحويلية والطاقة. لكن السياسة التحريرية تمنع تفصيل ذلك. في المجمل، يبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يكمن في الدردشة، بل في تحويل المصانع إلى مراكز ذكاء.
