في تطور لافت يعكس تصاعد التوتر بين حليفين رئيسيين في مواجهة الحرب الروسية الأوكرانية، أطلق رئيس وزراء بولندا السابق ماتيوش مورافيتسكي تصريحات لاذعة ضد الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، متهمًا إياه بمواصلة توجيه "الصفعات" إلى وارسو من خلال تصريحاته وأفعاله. وجاءت هذه الاتهامات في سياق هجوم سياسي غير مسبوق على رئيس الوزراء الحالي دونالد توسك، الذي وصفه مورافيتسكي بأنه المسؤول الأول عن تدهور العلاقات الثنائية بسبب ما وصفها بـ"السياسة الفاشلة" التي ينتهجها تجاه كييف.
التصريحات التي أدلى بها مورافيتسكي، وهو زعيم حزب القانون والعدالة المحافظ، تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات البولندية الأوكرانية توترًا متزايدًا على خلفية عدة قضايا شائكة، أبرزها الخلاف حول تصدير الحبوب الأوكرانية إلى الأسواق الأوروبية، والذي أضر بالمزارعين البولنديين، بالإضافة إلى ملفات تاريخية تتعلق بمذبحة فولينيا التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من البولنديين على أيدي القوميين الأوكرانيين خلال الحرب العالمية الثانية.
وقد اتهم مورافيتسكي زيلينسكي بالانخراط في "لعبة مزدوجة" مع بولندا، حيث يطلب الدعم العسكري والمالي الغربي بينما يتجاهل المصالح الحيوية لبولندا وحلفائها الإقليميين. وأشار إلى أن تصريحات زيلينسكي الأخيرة حول أن بولندا "تتاجر بالحرب" وتعيق جهود أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) هي دليل على "عدم الوفاء" و"الانتهازية".
من جانبه، رفض المتحدث باسم الحكومة البولندية التعليق على تصريحات مورافيتسكي، لكن مصادر دبلوماسية في وارسو أكدت أن العلاقات بين البلدين تشهد "أصعب مراحلها" منذ بدء الحرب في فبراير 2022. وتأتي هذه التصريحات قبل أسابيع من موعد الانتخابات الرئاسية الأوكرانية المنتظرة، والتي قد تشهد إعادة انتخاب زيلينسكي أو صعود منافسيه.
ويرى مراقبون أن تصعيد مورافيتسكي ضد زيلينسكي يمثل محاولة من حزب القانون والعدالة لاستغلال الملف الأوكراني في الحملات الانتخابية البولندية المقبلة، وكسب أصوات الناخبين المحافظين الذين يشعرون بالإحباط من سياسات توسك الداعمة بشدة لأوكرانيا على حساب المصالح البولندية الداخلية.
وعلى الصعيد الإقليمي، تثير هذه التصريحات قلقًا في العواصم الأوروبية من أن يؤدي تدهور العلاقات البولندية الأوكرانية إلى إضعاف الجبهة الموحدة ضد روسيا، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا واحتمالات توسعها إلى دول الجوار. كما أن الخلافات العلنية بين وارسو وكييف تمنح موسكو فرصة لتعزيز روايتها حول "عدم استقرار" التحالف الغربي الداعم لأوكرانيا.
من جهة أخرى، يعكس هذا التصعيد أيضًا حالة من الإرهاق الدبلوماسي في العلاقات البولندية الأوكرانية، حيث أن الدعم البولندي السخي لأوكرانيا خلال الأشهر الأولى من الحرب قوبل بامتنان كييف، لكن مع مرور الوقت ظهرت خلافات جوهرية تتعلق بالمصالح الوطنية لكل طرف. فبولندا، التي استقبلت ملايين اللاجئين الأوكرانيين وقدمت مساعدات عسكرية ضخمة، تتوقع من كييف مراعاة مصالحها الاقتصادية والتاريخية، بينما تركز أوكرانيا على أولوياتها في الحرب والاندماج الأوروبي الأطلسي.
ويبدو أن تصريحات مورافيتسكي ليست مجرد هجوم سياسي داخلي، بل تحمل رسائل موجهة إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو حول ضرورة مراجعة سياسات الدعم غير المشروط لأوكرانيا، خاصة إذا كانت هذه السياسات تتعارض مع مصالح الدول الأعضاء. ويرى المحللون أن بولندا، باعتبارها واحدة من أكبر الداعمين لأوكرانيا في أوروبا، قد بدأت تعيد تقييم أولوياتها في ظل الضغوط الداخلية والخارجية.
في الوقت نفسه، تسعى أوكرانيا إلى تهدئة التوتر مع بولندا عبر قنوات دبلوماسية بعيدة عن الأضواء، حيث أعلن مسؤولون أوكرانيون عن استعدادهم للحوار حول القضايا العالقة، لكنهم شددوا على ضرورة عدم المساس بالمصالح الوطنية لأوكرانيا. ومع ذلك، يبدو أن الفجوة بين الطرفين تتسع، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات في كلا البلدين، مما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد الخطابي.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن مستقبل العلاقات البولندية الأوكرانية سيعتمد على قدرة القيادتين في وارسو وكييف على تجاوز الخلافات الحالية والتركيز على التحديات المشتركة، وفي مقدمتها مواجهة العدوان الروسي. ولكن مع تزايد الخطاب السياسي الحاد داخل بولندا، قد يكون من الصعب تحقيق تقدم ملموس في المدى القريب.
