شهدت أسعار النفط الخام ارتفاعات ملحوظة في مستهل تعاملات اليوم الاثنين، مدفوعة بتجدد الاشتباكات العسكرية بين القوات الأمريكية والإيرانية في منطقة الشرق الأوسط. وجاء هذا التصعيد بعد أسابيع من الهدوء النسبي الذي ساد إثر اتفاق مؤقت بين الطرفين، لكن الضربات المتبادلة الأخيرة أظهرت هشاشة هذا التفاهم وأعادت التوتر إلى الواجهة.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة تتجاوز 2% متجاوزة حاجز 80 دولاراً للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط مستويات مشابهة من الصعود. ويعود هذا الارتفاع إلى مخاوف المستثمرين من أي تعطل محتمل في إمدادات النفط من منطقة الخليج، التي تمر عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات حادة بسبب عوامل متعددة، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين وأوروبا، وارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة. ومع تجدد التوترات الجيوسياسية، يزداد القلق من أن تؤدي أي مواجهة واسعة النطاق إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة.
وكانت واشنطن وطهران قد توصلتا في وقت سابق إلى تفاهم غير رسمي لخفض التصعيد، تضمن تعليق العمليات العسكرية المتبادلة مقابل تسهيلات في المفاوضات النووية. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا التفاهم لم يصمد أمام الاختبارات الميدانية، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين البلدين.
ويراقب المحللون عن كثب ردود فعل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وحلفائها، الذين قد يضطرون إلى تعديل سياساتهم الإنتاجية لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات. كما أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة ستظل عاملاً مؤثراً في توجيه أسعار النفط.
ويخشى المراقبون أن يؤدي استمرار التصعيد إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تضرب الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يتعافى من تداعيات جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. وفي حال امتدت الاشتباكات إلى دول مجاورة أو أغلقت ممرات ملاحية رئيسية، فقد تشهد الأسواق قفزات حادة غير مسبوقة.
وعلى صعيد متصل، أعلنت بعض شركات الشحن الدولية تعديل مسارات ناقلاتها النفطية لتجنب مناطق التوتر، مما يزيد من تكاليف النقل والتأمين وينعكس في النهاية على أسعار المستهلكين. كما دعت غرف التجارة في عدد من الدول إلى تهدئة الأوضاع عبر القنوات الدبلوماسية.
ويبدو أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار أسعار النفط، سواء من خلال نجاح الجهود الدبلوماسية في احتواء التوتر أو انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. وبانتظار ذلك، تظل الأسواق في حالة تأهب قصوى لأي تطورات جديدة.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر مطلعة أن ممثلين عن البلدين يعقدون اجتماعات طارئة عبر وسطاء دوليين لمحاولة تجنب التصعيد، لكن حتى الآن لم تسفر هذه الجهود عن انفراجة واضحة. ويبقى الخيار العسكري مطروحاً على الطاولة من كلا الجانبين، مما يبقي أسعار النفط تحت ضغط صعودي.
من ناحية أخرى، سارعت دول مستوردة للنفط إلى الإعلان عن خطط لزيادة مخزوناتها الاستراتيجية لمواجهة أي نقص محتمل، بينما دعت وكالة الطاقة الدولية إلى ضبط النفس وفتح قنوات الحوار. لكن مع تعقد المشهد الجيوسياسي، تبدو الحلول السلمية بعيدة المنال في المدى القريب.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط قد يكلف الاقتصاد العالمي عشرات المليارات من الدولارات إذا استمر لأسابيع، مما يزيد الضغوط على الحكومات والشركات والمستهلكين على حد سواء. ويبقى الأمل معقوداً على نجاح المساعي الدبلوماسية في إعادة الاستقرار إلى المنطقة.
