دولي

تركيا وأذربيجان تسعيان لتسجيل البقلاوة تراثاً عالمياً في اليونيسكو

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٣:٤٦ م4 دقائق قراءة
تركيا وأذربيجان تسعيان لتسجيل البقلاوة تراثاً عالمياً في اليونيسكو

تقدمت تركيا وأذربيجان بطلب مشترك إلى اليونيسكو لإدراج البقلاوة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، في خطوة تهدف إلى حماية الوصفة التقليدية وتعزيز هويتها الثقافية المشتركة، وسط منافسة خفية مع دول أخرى تدّعي أصالتها.

أفادت تقارير إعلامية أن تركيا وأذربيجان تقدّمتا رسمياً بطلب إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) لإدراج حلوى البقلاوة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، في خطوة تهدف إلى حماية الوصفة التقليدية وتعزيز الهوية الثقافية المشتركة بين البلدين.

البقلاوة، تلك الحلوى الشهية المكوّنة من طبقات رقيقة من العجين المحشو بالمكسرات والمغموس بالقطر أو العسل، تحظى بمكانة خاصة في المطبخ التركي والأذربيجاني، وتُعتبر جزءاً لا يتجزأ من المناسبات الاجتماعية والدينية. ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الدعوات لحماية التراث الغذائي من الاستيلاء الثقافي، حيث تسعى دول عدة إلى تسجيل أطباق تقليدية مماثلة.

وتُظهر الوثائق المقدمة إلى اليونيسكو أن البقلاوة ليست مجرد حلوى، بل هي رمز للضيافة والكرم في الثقافتين التركية والأذربيجانية، وتُحضَّر بطرق متوارثة عبر الأجيال. ويشير الطلب إلى أن البقلاوة تُقدَّم في الأعراس والأعياد والموالد الدينية، وتُعتبر هدية ثمينة بين الأهل والأصدقاء.

غير أن هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعاً، خاصة في دول مثل اليونان التي تدّعي هي الأخرى أصالة البقلاوة وتعتبرها جزءاً من تراثها. وتتباهى المطاعم اليونانية بتقديم البقلاوة كحلوى تقليدية، وتوجد اختلافات طفيفة في المكونات وطريقة التحضير بين الدول. ومع ذلك، فإن تركيا وأذربيجان تؤكدان أن البقلاوة التي تقدّمانها هي الأقرب إلى الوصفة الأصلية التي يعود تاريخها إلى العهد العثماني.

وتتضمن عملية التسجيل في اليونيسكو عدة مراحل، تبدأ بفحص الطلب من قبل لجنة خبراء، ثم التصويت عليه في اجتماع سنوي. وإذا تمت الموافقة، ستنضم البقلاوة إلى قائمة تضم أكثر من 600 عنصر ثقافي غير مادي من جميع أنحاء العالم، مثل موسيقى الفلامنكو الإسبانية والرقص الهندي الكلاسيكي.

وتأتي هذه المبادرة في إطار جهود أوسع تبذلها تركيا وأذربيجان للحفاظ على تراثهما الثقافي، حيث سبق أن نجحتا في تسجيل عدة عناصر مثل موسيقى العود والخط العربي. وتأمل الدولتان أن يساهم إدراج البقلاوة في تعزيز السياحة الغذائية وجذب الزوار المهتمين بتجربة النكهات التقليدية.

من جهة أخرى، يرى مراقبون أن هذا التحرك قد يفتح الباب أمام نزاعات ثقافية بين دول المنطقة حول ملكية أطباق تقليدية أخرى، مثل الكبة والحمص والفلافل. ويشدد خبراء التراث على أهمية التعاون بين الدول لتوثيق تاريخ هذه الأطباق المشتركة، بدلاً من التنافس حول من يمتلك الحق الحصري في تقديمها.

وتعكس هذه القضية أيضاً تنامي الاهتمام بحماية التراث غير المادي في ظل العولمة، حيث تتلاشى الحدود بين الثقافات وتختلط التقاليد. وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الطلبات المقدمة إلى اليونيسكو لتسجيل عناصر تراثية زاد بنسبة 30% خلال العقد الماضي، مما يدل على أهمية هذا الملف في الحفاظ على الهوية الثقافية.

ويُنتظر أن يصدر قرار اليونيسكو بشأن طلب تركيا وأذربيجان خلال الدورة القادمة للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي، المقرر عقدها في ديسمبر من العام المقبل. وحتى ذلك الحين، ستواصل الدولتان حملات التوعية والتعريف بأهمية البقلاوة كجزء من التراث الإنساني المشترك.

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

السياق التاريخي: تعود جذور البقلاوة إلى الإمبراطورية العثمانية، حيث كانت تُحضَّر في قصر السلطان وتُقدَّم للضيوف رفيعي المستوى. ومع توسع الإمبراطورية، انتشرت الوصفة في مختلف أنحاء البلقان والشرق الأوسط، مما أدى إلى ظهور نسخ محلية متعددة. هذا التاريخ الطويل يجعل من الصعب تحديد ملكية ثقافية حصرية لأي دولة، إذ أن البقلاوة أصبحت جزءاً من التراث الجماعي لمنطقة واسعة.

الأبعاد الاقتصادية: يمثل تسجيل البقلاوة في اليونيسكو فرصة اقتصادية كبيرة لتركيا وأذربيجان، حيث يمكن أن يعزز السياحة الغذائية ويزيد الطلب على المنتجات التقليدية. وتشير الدراسات إلى أن الأطعمة المسجلة كتراث ثقافي تشهد زيادة في المبيعات بنسبة تصل إلى 20%، كما تجذب انتباه المستثمرين في قطاع الضيافة. غير أن هذا قد يؤدي أيضاً إلى توترات تجارية مع دول أخرى تدّعي الأصالة.

الأبعاد السياسية: يأتي هذا الطلب في سياق التنافس الإقليمي بين تركيا واليونان، اللتين تتبادلان الاتهامات حول الاستيلاء الثقافي. ويمكن النظر إلى هذه الخطوة كجزء من استراتيجية تركية أوسع لتعزيز نفوذها الثقافي في المنطقة، خاصة في ظل توتر العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. كما يعكس التعاون التركي الأذربيجاني عمق العلاقات الثنائية بين البلدين، اللذين يتشاركان اللغة والثقافة.

الأبعاد الإنسانية: تتجاوز أهمية البقلاوة كونها مجرد طعام، فهي رمز للكرم والترابط الاجتماعي في المجتمعات التركية والأذربيجانية. ويؤكد هذا الطلب على حق الشعوب في حماية تراثها الثقافي من الاستيلاء أو التهميش، خاصة في عصر العولمة حيث تختلط التقاليد. كما يذكرنا بأهمية الحفاظ على التنوع الثقافي في عالم يزداد تجانساً.

التوقعات المستقبلية: من المرجح أن توافق اليونيسكو على الطلب نظراً للدعم الواسع الذي تحظى به البقلاوة كعنصر تراثي، لكن هذا قد يثير اعتراضات من دول أخرى مثل اليونان. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الجهود الدبلوماسية لتسوية النزاعات الثقافية، أو إلى سباق لتسجيل أطباق تقليدية أخرى. في النهاية، سيبقى الجدل حول ملكية البقلاوة قائماً، لكن الأهم هو الاعتراف بقيمتها كتراث إنساني مشترك.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من دولي

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →