سياسة

تحذير مصري من عام مائي عاصف بسبب النينو وسد النهضة

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٠٣ م4 دقائق قراءة
تحذير مصري من عام مائي عاصف بسبب النينو وسد النهضة

حذر خبير مصري من أن ظاهرة النينو المناخية، إلى جانب استمرار ملء سد النهضة الإثيوبي، قد تؤدي إلى انخفاض حاد في تدفقات نهر النيل، مما يهدد حصة مصر المائية في عام قد يكون الأصعب منذ عقود.

في تحذير علمي يعكس عمق القلق المصري، أطلق الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، نداءً استباقياً حول المخاطر المزدوجة التي تتهدد حصة مصر من مياه نهر النيل خلال العام الجاري. فبينما تستعد المنطقة لمواجهة تداعيات ظاهرة النينو المناخية، التي اشتهرت بقدرتها على إحداث تغيرات جذرية في أنماط الأمطار الاستوائية، يستمر سد النهضة الإثيوبي في مراحل ملء خزانه، مما يزيد الضغط على النظام المائي الهش.

ظاهرة النينو، التي تتمثل في ارتفاع غير طبيعي لدرجات حرارة سطح المحيط الهادئ، تؤدي عادة إلى خلل في أنظمة الطقس العالمية. وفي حوض النيل، ترتبط هذه الظاهرة بفترات جفاف شديد في الهضبة الإثيوبية، حيث تنبع معظم مياه النيل الأزرق الذي يمثل نحو 85% من تدفقات النيل عند مصر. وتشير النماذج المناخية إلى أن العام الحالي قد يشهد واحدة من أقوى موجات النينو، مما ينذر بانخفاض حاد في كميات الأمطار فوق بحيرة تانا والمرتفعات الإثيوبية.

ويأتي هذا التهديد المناخي في وقت حساس، إذ تواصل إثيوبيا ملء خزان سد النهضة، الذي تبلغ سعته 74 مليار متر مكعب، دون اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب مصر والسودان. وقد أعلنت أديس أبابا مؤخراً إنجاز المرحلة الرابعة من الملء، مما يعني احتجاز كميات إضافية من المياه في وقت تكون فيه الموارد شحيحة أصلاً.

ويصف الدكتور نور الدين هذه المعادلة بأنها "مزيج خطير"، حيث يتزامن نقص الإيرادات الطبيعية مع عمليات تخزين اصطناعية تقلص كمية المياه العابرة لحدود مصر. ويحذر من أن تداخل هذين العاملين قد يُدخل مصر في "سنوات عجاف" حقيقية، مشيراً إلى أن نهر النيل شهد فترات جفاف مشابهة في الماضي لكنها لم تترافق مع وجود سد ضخم يتحكم في التدفقات.

وتستورد مصر أكثر من 90% من احتياجاتها المائية من النيل، ويعتمد قطاع الزراعة الذي يستحوذ على نحو 80% من الاستهلاك بشكل شبه كامل على هذه المياه. وأي انخفاض كبير في التدفقات سيعني تقليص المساحات المزروعة، وزيادة الضغط على الموارد الجوفية المحدودة، وتفاقم أزمة الغذاء في بلد يستورد بالفعل كميات ضخمة من القمح والحبوب.

ورغم أن الحكومة المصرية اتخذت إجراءات عديدة في السنوات الأخيرة، مثل مشروعات معالجة المياه وإعادة استخدامها، وبناء محطات تحلية على السواحل، إلا أن هذه الحلول تظل محدودة الأثر مقارنة بحجم الفجوة المائية. ويقدر الخبراء أن الاحتياجات المائية السنوية لمصر تتجاوز 110 مليارات متر مكعب، بينما لا يتجاوز المتوسط التاريخي لحصتها من النيل 55.5 مليار متر مكعب.

على الصعيد الإقليمي، تظل مفاوضات سد النهضة متفاقمة دون حل، رغم جهود الوساطة المختلفة. وتتمسك مصر بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات الملء والتشغيل، ويأخذ في الاعتبار حالات الجفاف، بينما ترفض إثيوبيا أي اتفاق يحد من سيطرتها على السد. ومع إصرار أديس أبابا على استكمال الملء وفق جدولها الزمني، تبدو خيارات مصر محدودة بين القبول بواقع جديد أو اللجوء إلى آليات ضغط أخرى.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستكون السنوات القادمة بالفعل "سبعاً عجافاً" على نهر النيل؟ الإجابة تعتمد على تقاطع عاملين رئيسيين: مدى شدة ظاهرة النينو، ومدى مرونة إثيوبيا في التعامل مع حالات الجفاف أثناء ملء السد. فإذا تزامنت النينو القوية مع ملء متسارع، فإن التأثير على مصر سيكون غير مسبوق. أما إذا ضعفت النينو أو تم تخفيف وتيرة الملء، فقد يكون الأثر أقل حدة ولكن الحذر يظل مطلوباً.

رأي ستاف كوانتم

تحليل: معادلة المياه بين التغير المناخي والسيادة المائية

تقف مصر اليوم على مفترق طرق مائي صعب، إذ تتقاطع تحديات الطبيعة مع تعقيدات السياسة. من ناحية، تفرض ظاهرة النينو نفسها كعامل مناخي لا يمكن السيطرة عليه، ومن ناحية أخرى، يمثل سد النهضة خياراً سيادياً إثيوبياً تتقاطع مصالحه مع أمن مصر المائي. هذا التقاطع يخلق سيناريوهين متعارضين:

السيناريو الأول: التعاون والتكيف يفترض هذا السيناريو أن تنجح الوساطات الدولية والإقليمية في دفع إثيوبيا إلى توقيع اتفاق ملزم يأخذ في الاعتبار حالات الجفاف، وأن يتم تعديل جدول ملء السد وفقاً للمعطيات الهيدرولوجية الفعلية. في هذه الحالة، يمكن لمصر أن تتكيف مع الوضع الجديد عبر تعزيز إدارة الطلب، وزيادة كفاءة الري، والاستثمار في تقنيات تحلية المياه. لكن هذا السيناريو يتناقض مع الموقف الإثيوبي الثابت حتى الآن، والذي يرفض أي اتفاق يحد من سيطرتها.

السيناريو الثاني: المواجهة والتقشف في هذا السيناريو، تستمر إثيوبيا في ملء السد دون اتفاق، وتتزامن هذه العملية مع نينو قوية تؤدي إلى جفاف في الهضبة الإثيوبية. هنا ستواجه مصر انخفاضاً حاداً في حصتها المائية، مما يضطرها إلى تقليص المساحات الزراعية، وزيادة الاعتماد على استيراد الغذاء، وقد يدفعها إلى تصعيد سياسي أو قانوني. هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

تاريخياً، أظهرت مصر مرونة في مواجهة فترات الجفاف، لكن حجم سد النهضة وموقع جيوإستراتيجيته يغيران المعادلة. فالسد لا يخزن مياه الفيضانات فحسب، بل يمنح إثيوبيا القدرة على التحكم في توقيت وكمية التدفقات جنوباً.

في النهاية، يبقى الحل الأمثل هو الحوار الفني القائم على البيانات، مع إرادة سياسية من جميع الأطراف. لكن في غياب ذلك، سيكون التغير المناخي هو الحكم، وقد تكون السنوات العجاف قادمة لا محالة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →