اتهم الأمين العام لحزب الله السلطة اللبنانية بتوقيع اتفاق إطاري يشرعن الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى ضم الأراضي المحتلة. الوساطة الدولية لم تحقق تقدماً في وقف إطلاق النار.
في تصعيد لافت للخطاب السياسي، اتهم الأمين العام لحزب الله السلطة اللبنانية بتوقيع اتفاق إطاري يشرعن بقاء الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان لسنوات طويلة، بل ويمهد الطريق لضم هذه الأراضي إلى إسرائيل. وجاءت هذه التصريحات في كلمة متلفزة ألقاها مساء الخميس، حيث اعتبر أن الاتفاق الإطاري الذي وُقع مؤخراً بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية يمثل "خيانة للثوابت الوطنية" و"تطبيعاً مع الاحتلال".
وأوضح الأمين العام أن الاتفاق الإطاري، الذي لم تُنشر تفاصيله كاملة، يتضمن بنوداً تسمح ببقاء القوات الإسرائيلية في خمس نقاط استراتيجية في جنوب لبنان لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات قابلة للتجديد، مع إعطاء إسرائيل حق الرد على أي خرق من قبل المقاومة. واعتبر أن هذه البنود تشرعن الاحتلال وتمنحه شرعية دولية، في انتهاك للقرارات الأممية ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 1701.
وأضاف أن السلطة اللبنانية تنازلت عن حقوق السيادة الوطنية مقابل وعود وهمية بالدعم الاقتصادي، محذراً من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تقويض دور المقاومة وتفكيك قدراتها العسكرية تدريجياً. ودعا القوى السياسية والشعبية إلى رفض الاتفاق والتمسك بالخيارات الوطنية.
من جانبه، أصدر المكتب الإعلامي للسلطة اللبنانية بياناً نفى فيه ما وصفه بـ"الادعاءات المضللة"، مشيراً إلى أن الاتفاق الإطاري هو "إطار فني لتنظيم الانسحاب الإسرائيلي التدريجي" وليس لتثبيت الاحتلال. وأكد أن الاتفاق يحفظ حقوق لبنان المائية والبرية، ويضمن عودة النازحين إلى قراهم في الجنوب.
غير أن مراقبين يرون أن الاتفاق الإطاري يعكس حالة من الاستقطاب الداخلي الحاد، حيث تسعى السلطة إلى تحقيق اختراق في ملف ترسيم الحدود الجنوبية مقابل تنازلات يعتبرها حزب الله مرفوضة. وكانت الوساطة الدولية بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا قد كثفت جهودها في الأسابيع الأخيرة للتوصل إلى اتفاق يوقف التصعيد العسكري على الحدود الجنوبية، لكنها لم تحقق تقدماً ملموساً.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد التحذيرات من انزلاق لبنان إلى مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، خاصة مع استمرار حزب الله في تعزيز وجوده العسكري جنوباً. وتشير تقارير ميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل حشد قواته على الحدود، في حين يعلن حزب الله جاهزيته لأي سيناريو.
هذا، وتأتي تصريحات الأمين العام لحزب الله في وقت حساس يشهد فيه لبنان أزمة سياسية واقتصادية غير مسبوقة، حيث لم يتمكن البرلمان من انتخاب رئيس جديد للجمهورية منذ أكثر من عام، وتستمر الحكومة في تسيير الأعمال دون صلاحيات كاملة. ويرى محللون أن حزب الله يسعى من خلال هذه التصريحات إلى تعزيز موقعه السياسي الداخلي، وحشد الرأي العام ضد أي اتفاقيات قد تمس بسلاحه.
في المقابل، تدعو أوساط دولية إلى ضرورة الفصل بين المسار السياسي والعسكري، معتبرة أن الاتفاق الإطاري قد يشكل خطوة أولى نحو استقرار أوسع في المنطقة. غير أن حزب الله يرفض هذا الطرح، معتبراً أن أي اتفاق مع إسرائيل هو "خيانة".
وتبقى الساحة اللبنانية على صفيح ساخن، في انتظار ما ستسفر عنه الجولة المقبلة من المشاورات الدولية، وما إذا كانت ستنجح في احتواء التوتر المتصاعد على الحدود الجنوبية.
رأي ستاف كوانتم
تحليل: الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل.. تنازل سيادي أم ضرورة مرحلية؟
يثير الاتفاق الإطاري الموقع بين لبنان وإسرائيل جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية، خاصة بعد التصريحات الحادة للأمين العام لحزب الله التي اتهمت السلطة اللبنانية بتشريع الاحتلال. ولتقييم هذا الاتفاق، لا بد من وضعه في سياقه التاريخي والجيوستراتيجي.
تاريخياً، ظل جنوب لبنان مسرحاً للصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 1948، وشهد اجتياحات إسرائيلية متكررة كان آخرها حرب يوليو 2006. ويشكل القرار الأممي 1701، الذي أنهى تلك الحرب، الإطار المرجعي لأي ترتيبات أمنية في الجنوب، حيث ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. غير أن إسرائيل لم تلتزم بالانسحاب الكامل، واستمرت في احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إضافة إلى خروقاتها اليومية للسيادة اللبنانية.
اقتصادياً، يعاني لبنان من انهيار مالي حاد، حيث فقدت العملة الوطنية أكثر من 90% من قيمتها، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية. وفي هذا السياق، تسعى السلطة اللبنانية إلى تحسين العلاقات مع المجتمع الدولي للحصول على مساعدات اقتصادية، وهو ما قد يفسر توقيع الاتفاق الإطاري رغم التحفظات الداخلية. غير أن حزب الله يرى أن هذه التنازلات السيادية لن تجلب سوى مزيد من التبعية.
سياسياً، يعكس الاتفاق حالة الانقسام العميق في لبنان بين فريق يدعم المقاومة المسلحة وفريق يطالب باحتكار الدولة للسلاح. ويمثل تحالف السلطة مع القوى الدولية محاولة لتقويض نفوذ حزب الله، لكنها تنطوي على مخاطر كبيرة. فمن جهة، قد يؤدي الاتفاق إلى تهدئة مؤقتة على الحدود، لكنه من جهة أخرى يمنح إسرائيل شرعية لبقائها في الجنوب، مما يضعف موقف لبنان التفاوضي في ملفات أخرى مثل ترسيم الحدود البحرية.
على الصعيد الإقليمي، يأتي الاتفاق في ظل متغيرات كبرى، أبرزها اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وتصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران. ويرى مراقبون أن الاتفاق الإطاري قد يكون جزءاً من ترتيب إقليمي أوسع يهدف إلى دمج إسرائيل في المنطقة، على حساب القضية الفلسطينية وحقوق الدول العربية. غير أن حزب الله يعتبر نفسه خط الدفاع الأول عن المقاومة، ويرفض أي تطبيع.
مستقبلياً، من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة مزيداً من التصعيد الخطابي بين حزب الله والسلطة اللبنانية، خاصة إذا ما حاولت الأخيرة تنفيذ بنود الاتفاق على الأرض. كما أن استمرار الغموض حول التفاصيل الدقيقة للاتفاق يثير الشكوك حول نوايا الأطراف الموقعة. في المقابل، قد تنجح الوساطة الدولية في فرض هدنة مؤقتة، لكنها لن تحل جذور المشكلة، ما لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة تأخذ في الاعتبار السيادة اللبنانية وحق المقاومة.
في الختام، يبقى الاتفاق الإطاري اختباراً حقيقياً للسياسة اللبنانية، وقدرتها على الموازنة بين الضرورات الاقتصادية والثوابت الوطنية. وإذا ما استمر حزب الله في رفضه، فقد نشهد انفجاراً أمنياً جديداً يزيد من معاناة اللبنانيين.