في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة، وقع لبنان وإسرائيل اتفاقاً إطارياً بوساطة أمريكية يوم الجمعة الماضي يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله، المدعوم من إيران. أثار الاتفاق ردود فعل متباينة في لبنان، حيث رحب به المجتمع الدولي كخطوة أولى نحو "سلام دائم"، بينما انتقده آخرون، بمن فيهم حزب الله، لعدم إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وتمهيده الطريق لتطبيع العلاقات بين البلدين.
ينص الاتفاق على أن يؤكد البلدان "حق كل دولة في الوجود بسلام"، لكن إسرائيل لن تنسحب من جميع المناطق التي تحتلها، بل وافقت على الانسحاب من منطقتين تجريبيتين. سيتولى الجيش اللبناني السيطرة تدريجياً على هاتين المنطقتين مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، بعد التأكد من نزع سلاح الجماعات غير الحكومية. يهدف الإطار إلى تحقيق "تقدم لا رجعة فيه" نحو حل الخلافات بين لبنان وإسرائيل ومعالجة "الأسباب الجذرية" للنزاع.
لا يستخدم الاتفاق مصطلح "التطبيع"، لكن معارضيه يرون فيه خطوة أولى نحو ذلك. يصر مسؤولون لبنانيون شاركوا في الاتفاق على أنه يظل ترتيباً أمنياً محدوداً يهدف إلى استقرار الحدود وتعزيز السيادة الوطنية، ويتمحور حول انسحابات إسرائيلية مرحلية ونزع سلاح في مناطق محددة وآليات مراقبة أمريكية، بدلاً من الاعتراف السياسي أو إقامة علاقات دبلوماسية. ومع ذلك، يرى النقاد أن إنشاء قنوات تنسيق والتزامات متبادلة بعدم شن هجمات يمهد للتطبيع، وهي قفزة تتجاوز مجرد اتفاق وقف إطلاق نار.
لا ينص الاتفاق بوضوح على أن القوات الإسرائيلية يجب أن تغادر المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان، بل يقول إنها سـ"تنتشر تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية". كما ينص على أن الجيش اللبناني سـ"يستعيد السلطة السيادية الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية" بعد نزع سلاح الجماعات غير الحكومية. كرر سياسيون إسرائيليون مراراً أنهم لا يخططون للانسحاب من جنوب لبنان، بينما يرفض حزب الله نزع سلاحه طالما استمر الاحتلال الإسرائيلي وشكل تهديداً للبلاد.
ستشكل الولايات المتحدة مجموعة تنسيق عسكرية تجمع ممثلين عسكريين لبنانيين وإسرائيليين تحت إشراف أمريكي لمراقبة الامتثال وتقييم الظروف الأمنية وحل النزاعات حول الانتهاكات المزعومة. يعتمد الاتفاق على نهج مرحلي يربط الانسحابات الإسرائيلية بنشر الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة في منطقتين تجريبيتين، قبل أي توسع في جنوب لبنان. لكن المعايير الفنية الرئيسية لما يشكل "تحققاً" تظل غير معلنة إلى حد كبير، مما يترك مجالاً كبيراً للتأويل من قبل الأطراف المعنية. لم يُنشر الملحق الأمني للاتفاق، حيث توجد تفاصيل هذه النقاط، ويتمتع كلا البلدين بحق الدفاع عن نفسيهما.
في هذا السياق، يرى أستاذ التاريخ اللبناني في الجامعة الأمريكية في بيروت مكرم رباح أن "مجرد موافقة لبنان على مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يعني اعترافاً بها كدولة"، معتبراً ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها لا تحقق شيئاً ملموساً. يبقى الاتفاق معلقاً بين آمال السلام وواقع الاحتلال والانقسام الداخلي اللبناني.
