في تطور لافت على الساحة اللبنانية، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفضه القاطع لاتفاق الإطار الذي وقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، واصفاً إياه بأنه "سقطة مريعة" و"تنازلاً عن السيادة الوطنية". وأكد قاسم أن الحزب سيتعامل مع هذا الاتفاق باعتباره "منعدماً"، في إشارة واضحة إلى عدم الاعتراف به أو الالتزام ببنوده.
الاتفاق، الذي أبرم في وقت حساس، يهدف إلى ترتيب العلاقات بين البلدين الجارين بعد سنوات من التوتر والمواجهات المسلحة. لكن حزب الله، الذي يعد أقوى فصيل سياسي وعسكري في لبنان، يعتبر أن أي تطبيع أو ترتيب مع إسرائيل يشكل خيانة للثوابت الوطنية والمقاومة.
جاءت تصريحات قاسم في خطاب متلفز مساء السبت، حيث قال: "هذا الاتفاق هو سقطة مريعة وخطوة خطيرة تتنازل فيها الدولة عن سيادتها ومقدراتها. نحن في حزب الله نرفضه جملة وتفصيلاً، ولن نكون ملزمين بأي بند منه". وأضاف: "سنتعامل معه على أنه منعدم الوجود، ولن يغير من موقفنا الثابت في مقاومة الاحتلال".
ويرى مراقبون أن هذا الموقف يضع الحكومة اللبنانية في مأزق حرج، خاصة أنها تسعى إلى تحقيق استقرار نسبي بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والسياسية. فالاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة يعتبر خطوة نحو تهدئة المنطقة، لكنه يصطدم برفض حزب الله الذي يمتلك قدرة على تعطيل أي ترتيبات.
اندلعت الحرب الأخيرة في لبنان في الثاني من آذار/مارس مع إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل، رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير. تلك الحرب خلفت دماراً هائلاً في البنية التحتية اللبنانية وأسفرت عن مئات القتلى وآلاف الجرحى.
الاتفاق الجديد يأتي في سياق محاولات دولية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة، لكنه يثير تساؤلات حول قدرة لبنان على اتخاذ قرارات سيادية في ظل النفوذ الإيراني القوي عبر حزب الله. فالحزب، المدعوم من طهران، يعتبر نفسه خط الدفاع الأول عن المصالح الإيرانية في المنطقة، ويرفض أي ترتيبات تضعف دوره.
من جهة أخرى، يرى مؤيدو الاتفاق أنه يمثل فرصة للبنان للخروج من عزلته الإقليمية والدولية، وجذب الاستثمارات الأجنبية اللازمة لإعادة الإعمار. لكن معارضة حزب الله قد تعرقل هذه الجهود، وتعمق الانقسام الداخلي في البلاد.
ويشير محللون إلى أن الموقف المتشدد لحزب الله قد يؤدي إلى تصعيد عسكري جديد مع إسرائيل، خاصة إذا حاولت الحكومة اللبنانية تنفيذ بنود الاتفاق دون موافقة الحزب. فالحزب يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، وخبرة قتالية واسعة، مما يجعله قادراً على إشعال جبهة جديدة.
في المقابل، تبدو إسرائيل مصممة على المضي قدماً في الاتفاق، بدعم أمريكي، معتبرة أنه خطوة نحو تأمين حدودها الشمالية. لكن التحدي الأكبر يبقى في كيفية التعامل مع رفض حزب الله، الذي يمتلك قاعدة شعبية واسعة في لبنان.
تظل التطورات في لبنان مرهونة بموقف حزب الله وقدرته على فرض رؤيته على الدولة. فالاتفاق الذي وصفه البعض بأنه "تاريخي"، قد يتحول إلى مصدر جديد للتوتر إذا لم يتم التعامل مع معارضة الحزب بحكمة وواقعية.
