سياسة

اتفاق إطار لبنان وإسرائيل يثير جدلاً حول السيادة وتوازنات القوى

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٧ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٣ م4 دقائق قراءة
اتفاق إطار لبنان وإسرائيل يثير جدلاً حول السيادة وتوازنات القوى

أثار اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية انتقادات حادة من حزب الله، الذي وصفه بأنه "سقطة مريعة" وتنازل عن السيادة، متعهداً بالتعامل معه كمنعدم الوجود. يأتي ذلك في ظل تداعيات الحرب الأخيرة وتغير المشهد الإقليمي.

في تطور لافت على الساحة اللبنانية، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفضه القاطع لاتفاق الإطار الذي وقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، واصفاً إياه بأنه "سقطة مريعة" و"تنازلاً عن السيادة الوطنية". وأكد قاسم أن الحزب سيتعامل مع هذا الاتفاق باعتباره "منعدماً"، في إشارة واضحة إلى عدم الاعتراف به أو الالتزام ببنوده.

الاتفاق، الذي أبرم في وقت حساس، يهدف إلى ترتيب العلاقات بين البلدين الجارين بعد سنوات من التوتر والمواجهات المسلحة. لكن حزب الله، الذي يعد أقوى فصيل سياسي وعسكري في لبنان، يعتبر أن أي تطبيع أو ترتيب مع إسرائيل يشكل خيانة للثوابت الوطنية والمقاومة.

جاءت تصريحات قاسم في خطاب متلفز مساء السبت، حيث قال: "هذا الاتفاق هو سقطة مريعة وخطوة خطيرة تتنازل فيها الدولة عن سيادتها ومقدراتها. نحن في حزب الله نرفضه جملة وتفصيلاً، ولن نكون ملزمين بأي بند منه". وأضاف: "سنتعامل معه على أنه منعدم الوجود، ولن يغير من موقفنا الثابت في مقاومة الاحتلال".

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يضع الحكومة اللبنانية في مأزق حرج، خاصة أنها تسعى إلى تحقيق استقرار نسبي بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والسياسية. فالاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة يعتبر خطوة نحو تهدئة المنطقة، لكنه يصطدم برفض حزب الله الذي يمتلك قدرة على تعطيل أي ترتيبات.

اندلعت الحرب الأخيرة في لبنان في الثاني من آذار/مارس مع إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل، رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير. تلك الحرب خلفت دماراً هائلاً في البنية التحتية اللبنانية وأسفرت عن مئات القتلى وآلاف الجرحى.

الاتفاق الجديد يأتي في سياق محاولات دولية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة، لكنه يثير تساؤلات حول قدرة لبنان على اتخاذ قرارات سيادية في ظل النفوذ الإيراني القوي عبر حزب الله. فالحزب، المدعوم من طهران، يعتبر نفسه خط الدفاع الأول عن المصالح الإيرانية في المنطقة، ويرفض أي ترتيبات تضعف دوره.

من جهة أخرى، يرى مؤيدو الاتفاق أنه يمثل فرصة للبنان للخروج من عزلته الإقليمية والدولية، وجذب الاستثمارات الأجنبية اللازمة لإعادة الإعمار. لكن معارضة حزب الله قد تعرقل هذه الجهود، وتعمق الانقسام الداخلي في البلاد.

ويشير محللون إلى أن الموقف المتشدد لحزب الله قد يؤدي إلى تصعيد عسكري جديد مع إسرائيل، خاصة إذا حاولت الحكومة اللبنانية تنفيذ بنود الاتفاق دون موافقة الحزب. فالحزب يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، وخبرة قتالية واسعة، مما يجعله قادراً على إشعال جبهة جديدة.

في المقابل، تبدو إسرائيل مصممة على المضي قدماً في الاتفاق، بدعم أمريكي، معتبرة أنه خطوة نحو تأمين حدودها الشمالية. لكن التحدي الأكبر يبقى في كيفية التعامل مع رفض حزب الله، الذي يمتلك قاعدة شعبية واسعة في لبنان.

تظل التطورات في لبنان مرهونة بموقف حزب الله وقدرته على فرض رؤيته على الدولة. فالاتفاق الذي وصفه البعض بأنه "تاريخي"، قد يتحول إلى مصدر جديد للتوتر إذا لم يتم التعامل مع معارضة الحزب بحكمة وواقعية.

رأي ستاف كوانتم

الاتفاق بين لبنان وإسرائيل يثير جدلاً عميقاً حول مفهوم السيادة الوطنية في ظل التوازنات الإقليمية المعقدة. حزب الله، الذي يرفض الاتفاق باعتباره "سقطة مريعة"، يعكس تصوراً مختلفاً للسيادة يقوم على رفض أي ترتيبات مع إسرائيل، معتبراً إياها انتهاكاً للثوابت. هذا الموقف ليس جديداً، بل يمثل استمراراً لسياسة الحزب منذ تأسيسه في الثمانينات، والتي تهدف إلى تحرير الأراضي المحتلة ومقاومة النفوذ الإسرائيلي.

من الناحية التاريخية، يعود جذور الصراع إلى احتلال إسرائيل لجنوب لبنان في عام 1978، وتأسيس حزب الله كمقاومة إسلامية شيعية بدعم إيراني. منذ ذلك الحين، تحول الحزب إلى قوة عسكرية وسياسية لا يستهان بها، وتمكن من فرض نفسه كفاعل أساسي في المعادلة اللبنانية.

اقتصادياً، يأتي الاتفاق في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة مالية خانقة، حيث انهارت العملة الوطنية وارتفعت معدلات الفقر والبطالة. الحكومة اللبنانية ترى في الاتفاق فرصة لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، خاصة من الدول الخليجية والغربية التي تشترط استقراراً سياسياً وأمنياً. لكن رفض حزب الله قد يحرم لبنان من هذه الفرصة، ويؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي.

سياسياً، يعكس الموقف المتشدد لحزب الله هشاشة الدولة اللبنانية، حيث أن الحزب يمتلك سلاحاً ثقيلاً خارج سيطرة الحكومة، ويتمتع بنفوذ كبير في المؤسسات الرسمية. هذا الوضع يجعل أي اتفاق دولي مع لبنان مرهوناً بموافقة حزب الله، مما يضعف السيادة الوطنية ويجعل البلاد رهينة لأجندات خارجية.

إقليمياً، يندرج الاتفاق ضمن مساعي الولايات المتحدة لتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة بعد الضربات التي استهدفت إيران في فبراير الماضي. حزب الله، باعتباره الحليف الأقوى لطهران، يرفض أي ترتيبات تقويضية لدوره، مما يجعله عقبة أمام أي حلول سياسية.

مستقبلاً، من المتوقع أن يشهد لبنان مزيداً من التوتر بين القوى السياسية، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية. فقد يستخدم حزب الله رفضه للاتفاق كورقة انتخابية لتعزيز شعبيته بين قاعدته الجماهيرية، بينما قد تتعرض الحكومة لضغوط داخلية ودولية لتنفيذ الاتفاق.

في الختام، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان تحقيق سيادة حقيقية في ظل وجود كيان مسلح خارج الدولة؟ الإجابة تبدو صعبة، خاصة في غياب إجماع وطني حول استراتيجية موحدة تجاه إسرائيل. الاتفاق الحالي قد يكون خطوة نحو الاستقرار، لكنه قد يتحول أيضاً إلى شرارة لصراع جديد إذا لم يتم التعامل مع معارضة حزب الله بحكمة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →