في تطور دبلوماسي غير مسبوق، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن توصل إسرائيل إلى تفاهمات إطارية مع لبنان والولايات المتحدة، وصفها بـ"الإنجاز التاريخي" الذي يشكل "ضربة قاسية" لإيران وحزب الله. وتأتي هذه التصريحات في سياق تحولات إقليمية كبرى تشهد إعادة رسم للأولويات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
وخلال مؤتمر صحفي عقده مساء الأربعاء، قال نتنياهو إن التفاهمات تعترف بحق إسرائيل في الحفاظ على منطقة أمنية داخل جنوب لبنان للمدة التي تراها ضرورية، مشدداً على أن القوات الإسرائيلية ستبقى هناك حتى يتم نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى بالكامل وانتزاع أي تهديد محتمل. وأضاف أن الاتفاق يتضمن برنامجاً تجريبياً في منطقتين تقعان بالقرب من الخط الأصفر، يهدف إلى نزع سلاح حزب الله بشكل تدريجي ونقل السيطرة الأمنية إلى الجيش اللبناني.
"هذه ضربة قاسية لإيران وحزب الله"، قال نتنياهو في تصريحاته، مؤكداً أن الاتفاق يخرج طهران من الشؤون اللبنانية. وأضاف: "نحن نحطم محور الإرهاب الإيراني، ولكننا نحطم أيضاً المحور الدبلوماسي الإيراني". هذه العبارات تعكس تحولاً في الخطاب الإسرائيلي الذي طالما ركز على المواجهة العسكرية، ليتجه نحو تأكيد التفوق الدبلوماسي.
الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية مكثفة، يأتي بعد أشهر من المفاوضات غير المباشرة التي جرت عبر وسطاء دوليين. وتشير المصادر إلى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر، خاصة فيما يتعلق بآلية تنفيذ القرار الدولي 1701 الذي ينص على نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في جنوب لبنان.
من الناحية العملية، يمنح الاتفاق إسرائيل غطاءً قانونياً لوجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية، وهو أمر أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية في بيروت. فبينما ترى الحكومة اللبنانية في الاتفاق خطوة نحو استعادة السيادة الكاملة على أراضيها، يعتبره خصومها تنازلاً عن حقوق البلاد تحت الضغط الأمريكي الإسرائيلي.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية كبرى، أبرزها تراجع النفوذ الإيراني في عدة عواصم عربية، وتزايد التنسيق بين إسرائيل ودول عربية في مواجهة التهديدات المشتركة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الاتفاق مع لبنان كجزء من جهد أوسع لإعادة تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط.
وفيما يتعلق بالبرنامج التجريبي في المنطقتين القريبتين من الخط الأصفر، أوضح نتنياهو أنه سيشهد عملية تدريجية تبدأ بنزع سلاح الميليشيات ونقل المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني، تحت إشراف قوات اليونيفيل. وأكد أن نجاح هذا البرنامج قد يؤدي إلى توسيعه ليشمل مناطق أخرى في المستقبل.
غير أن مراقبين يشيرون إلى أن التحديات التي تواجه تنفيذ الاتفاق كبيرة، أبرزها رفض حزب الله المستمر لنزع سلاحه، وعدم وضوح الجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية. كما أن الغموض يكتنف آلية التعامل مع الخروقات التي قد تحدث من أي طرف.
من جانبها، لم تصدر طهران بعد رداً رسمياً على تصريحات نتنياهو، لكن مصادر مقربة من الحرس الثوري الإيراني أشارت إلى أن الاتفاق يُعتبر "طعنة في الظهر" للمقاومة اللبنانية، وأنه سيفاقم الانقسامات داخل الساحة السياسية في لبنان.
وفي هذا الإطار، يرى المحللون أن الاتفاق الإطاري مع لبنان يمثل تحولاً مهماً في الاستراتيجية الإسرائيلية، التي تنتقل من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية لتحقيق أهدافها الأمنية. كما أنه يعكس تغيراً في موازين القوى الإقليمية، حيث تتراجع قدرة إيران على التأثير في الملف اللبناني لصالح نفوذ أمريكي إسرائيلي متزايد.
وفي الأيام المقبلة، من المتوقع أن تشهد المنطقة تحركات دبلوماسية مكثفة لترجمة هذا الاتفاق إلى واقع ملموس، وسط تساؤلات حول مدى قدرة الأطراف المعنية على تجاوز العقبات التي ما زالت قائمة.
