في زمن يزداد فيه الإيقاع اليومي سرعة وتتزايد ضغوط الحياة، يغفل الكثيرون عن أهمية النوم كركيزة أساسية للصحة العامة. لم يعد النوم مجرد فترة سكون وراحة جسدية، بل هو عملية بيولوجية معقدة ونشطة تلعب دوراً محورياً في تنظيم وظائف الجسم الحيوية، وعلى رأسها منظومة المناعة.
تشير الدكتورة أولغا شوبو، المتخصصة في إعادة التأهيل المناعي والطب الوقائي، إلى أن النوم عملية تنظيمية نشطة وحيوية لعمل منظومة المناعة. فخلال النوم، يقوم الجسم بسلسلة من العمليات الترميمية والتجديدية التي تعزز قدرته على مقاومة الأمراض والالتهابات.
من المعروف أن الحرمان من النوم أو ضعف جودته يرتبطان بزيادة القابلية للإصابة بالعدوى الفيروسية والبكتيرية، فضلاً عن تفاقم الاضطرابات المزمنة كأمراض القلب والسكري والسمنة. وتؤكد الدراسات أن قلة النوم تؤدي إلى انخفاض إنتاج الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة مسببات الأمراض، مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية.
يتضمن النوم العميق مراحل متعددة، أهمها مرحلة حركة العين السريعة (REM) والنوم العميق غير السريع (NREM)، حيث تحدث خلالهما عمليات إصلاح الخلايا وتجديد الأنسجة وتقوية الذاكرة. وفي هذه المراحل، تفرز هرمونات مهمة مثل هرمون النمو والكورتيزول والميلاتونين، التي تنظم الاستجابات المناعية.
وتوصي الأكاديميات الطبية بأن ينام البالغون ما بين 7 إلى 9 ساعات يومياً، مع مراعاة انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ، وتجنب المنبهات كالكافيين والشاشات الإلكترونية قبل النوم. كما أن تهيئة بيئة نوم مريحة من حيث الإضاءة ودرجة الحرارة والهدوء تساهم في تحسين جودة النوم.
في المقابل، يعاني الكثيرون في العالم العربي من اضطرابات النوم بسبب أنماط الحياة العصرية، والعمل لساعات متأخرة، واستخدام الأجهزة الذكية، مما ينعكس سلباً على صحتهم العامة. وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة كبيرة من السكان لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم، مما يزيد من تكاليف الرعاية الصحية ويقلل الإنتاجية.
لذا، فإن الاهتمام بالنوم ليس ترفاً بل ضرورة صحية ملحة، تستدعي توعية مجتمعية وتعزيز ثقافة النوم الصحي، خاصة في ظل الجائحات والأمراض الحديثة التي تضع جهاز المناعة على المحك.
