في تحليل جديد يحمل تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي، حذر صندوق النقد الدولي من أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح محركاً رئيسياً للتضخم في السنوات المقبلة، ليس فقط بسبب ارتفاع تكاليف البنية التحتية التكنولوجية مثل الرقائق الإلكترونية، بل وأيضاً من خلال ظاهرة أطلق عليها "أثر الثروة"، حيث يؤدي ازدياد ثروات المستهلكين بفضل الابتكارات التقنية إلى ارتفاع ميلهم للإنفاق، مما يضغط على الأسعار صعوداً.
ويأتي هذا التحذير في وقت يشهد فيه العالم سباقاً محموماً نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، من الخدمات المالية إلى الرعاية الصحية والصناعة. وتشير تقديرات الصندوق إلى أن الاستثمارات في هذا المجال قد تضاعفت خلال العام الماضي وحده، مما يعزز المخاوف من أن تكون هذه التقنية سلاحاً ذا حدين: فهي من جهة ترفع الإنتاجية وتخفض التكاليف على المدى الطويل، لكنها من جهة أخرى قد تخلق فقاعات تضخمية قصيرة الأمد.
ويرى خبراء الصندوق أن الآلية التي يعمل بها أثر الثروة بسيطة لكنها خطيرة: فعندما يدرك المستهلكون أن أصولهم المالية والعقارية ارتفعت قيمتها بفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يزداد شعورهم بالثراء، فيقبلون على الإنفاق والاستهلاك بشكل أكبر، مما يرفع الطلب الكلي في الاقتصاد. ومع ثبات العرض أو تأخر استجابته، تتصاعد الأسعار، وقد يتحول ذلك إلى تضخم مزمن إذا لم تواجهه البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة.
لكن الأمر لا يقتصر على المستهلكين، فالشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي تجد نفسها أيضاً في موقف مشابه: إذ تحقق أرباحاً أكبر بفضل تحسين الكفاءة، فتزيد استثماراتها وتوظيفها، مما يضخ مزيداً من الدخل في الاقتصاد. وهذا بدوره يخلق دورة تضخمية يصعب كسرها، خاصة في ظل أسواق عمل ضيقة حيث ترتفع الأجور لتلبية الطلب على المهارات التقنية.
ولا يخفي التقرير القلق من أن يكون الذكاء الاصطناعي سبباً في تأخير تحقيق أهداف التضخم التي تسعى إليها البنوك المركزية الكبرى، وخاصة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، اللذين يكافحان منذ عامين لإعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة عند 2%.
وفي تعليقه على التقرير، قال كبير الاقتصاديين في الصندوق إن "الذكاء الاصطناعي يمثل نقلة نوعية في الاقتصاد العالمي، لكنه لا يخلو من المخاطر، وأثر الثروة هو أحد تلك المخاطر التي يجب مراقبتها عن كثب". وأضاف أن السياسات النقدية يجب أن تكون مرنة وقادرة على التكيف السريع مع التحولات التي تفرضها هذه التقنية.
من ناحية أخرى، يرى محللون أن تحذير الصندوق يأتي في سياق أوسع من القلق إزاء التفاوت الاقتصادي الذي قد يخلقه الذكاء الاصطناعي، حيث تتركز مكاسب الثروة في أيدي فئة محدودة من المستثمرين والعاملين في القطاع، بينما يظل غالبية السكان خارج دائرة الاستفادة، مما قد يضعف فعالية السياسات النقدية التقليدية.
وعلى الصعيد العملي، يوصي الصندوق الحكومات والبنوك المركزية بتطوير أدوات رقابية جديدة قادرة على رصد تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الأسعار والثروات، مع تعزيز الشفافية في أسواق الأصول الرقمية والتقنية، التي تشهد تقلبات حادة قد تنعكس على الاستقرار المالي.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع صناع السياسات مواكبة هذا التغير التكنولوجي المتسارع؟ الإجابة بحسب التقرير تتطلب استعداداً غير مسبوق للتعاون الدولي وتبادل البيانات، لأن الذكاء الاصطناعي لا يعترف بالحدود، وتأثيراته التضخمية قد تنتقل بسرعة بين الدول عبر الأسواق المالية والتجارة الإلكترونية.
وفي الختام، يبدو أن العالم أمام معادلة صعبة: كيف يستفيد من ثمار الذكاء الاصطناعي دون أن تحرق تلك الثمار جيوب المستهلكين عبر التضخم؟ الصندوق لم يقدم وصفة سحرية، لكنه وضع إشارات تحذيرية لا يمكن تجاهلها، خاصة في ظل اقتصاد عالمي لا يزال يتعافى من تداعيات الجائحة والحروب التجارية.
