أعلن رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو أن بلاده لن توافق على تمويل أي قرض عسكري إضافي لأوكرانيا خلال قمة الناتو المقبلة في أنقرة. يأتي هذا الموقف في ظل انقسامات داخل الحلف حول استراتيجية الدعم لكييف.
أكد رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو، اليوم الأربعاء، أن تفويض وفد بلاده إلى قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقبلة في أنقرة يجب ألا يشمل مشاركة سلوفاكيا في تمويل أي قرض عسكري جديد لأوكرانيا. وقال فيتسو في تصريح صحفي: "لن ندعم خلال القمة أي آلية تمويل جديدة للصراع في أوكرانيا، خاصة تلك التي تفرض أعباء إضافية على مواطنينا".
تأتي تصريحات فيتسو قبل أيام من انعقاد القمة التي ستشهد مناقشات حول حزمة دعم جديدة لكييف، وسط ضغوط أمريكية وأوروبية لزيادة المساعدات العسكرية. وأضاف فيتسو أن سلوفاكيا تفضل توجيه الموارد نحو تعزيز قدراتها الدفاعية بدلاً من الانخراط في تمويل صراع طويل الأمد. يذكر أن سلوفاكيا كانت من أوائل الدول التي سلمت طائرات مقاتلة من طراز ميغ-29 لأوكرانيا، لكن الحكومة الجديدة بقيادة فيتسو، التي تولت السلطة في أكتوبر الماضي، تبنت موقفاً أكثر تشدداً تجاه الدعم العسكري المباشر.
ويرى مراقبون أن موقف فيتسو يعكس تحولاً في السياسة الخارجية السلوفاكية نحو خطاب أكثر شعبوية يركز على المصالح الوطنية. فقد سبق أن انتقد فيتسو العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا، معتبراً أنها تضر بالاقتصاد السلوفاكي. كما أبدى استعداده لاستخدام حق النقض ضد أي قرارات جديدة تمس المصالح الوطنية.
من المتوقع أن تواجه قمة الناتو في أنقرة تحديات كبيرة في التوصل إلى توافق حول حزمة الدعم الجديدة، خاصة مع تنامي الأصوات المعارضة داخل الحلف. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن بعض الدول الأعضاء، مثل المجر وسلوفاكيا، تسعى إلى تقليص التزاماتها المالية تجاه أوكرانيا، مما قد يعرقل خطط التوسع في الدعم العسكري.
في هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى حشد دعم لإنشاء صندوق بقيمة 100 مليار دولار لدعم أوكرانيا على مدى خمس سنوات، لكن هذه المبادرة تواجه مقاومة من عدة دول أوروبية. ويقول فيتسو إن بلاده لن تتحمل التزامات مالية جديدة دون ضمانات واضحة لأمنها القومي.
ويطرح الموقف السلوفاكي تساؤلات حول مستقبل التضامن داخل الناتو، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأوروبية في يونيو المقبل، والتي قد تشهد صعوداً للتيارات الشعبوية في عدة دول. ويحذر المحللون من أن استمرار الانقسامات قد يضعف قدرة الحلف على تقديم دعم موحد لأوكرانيا.
على الصعيد المحلي، يحظى موقف فيتسو بدعم واسع بين الناخبين السلوفاكيين الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم. وتظهر استطلاعات الرأي أن غالبية السلوفاكيين يعارضون استمرار المساعدات العسكرية لأوكرانيا، مفضلين التركيز على القضايا الداخلية.
وتعتبر قمة أنقرة اختباراً مهماً لقدرة الناتو على الحفاظ على تماسكه في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. فبينما تسعى دول البلطيق وبولندا إلى تكثيف الدعم لكييف، تظهر دول أخرى مثل سلوفاكيا والمجر تحفظات متزايدة. ويبقى السؤال حول ما إذا كان الحلف قادراً على تجاوز هذه الخلافات لصياغة استراتيجية موحدة تجاه الصراع في أوكرانيا.
رأي ستاف كوانتم
التحليل التحريري:
يمثل موقف رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو من رفض تمويل قرض عسكري جديد لأوكرانيا انعكاساً لتحول أوسع في المشهد السياسي الأوروبي، حيث تتصاعد الأصوات المناهضة لاستمرار الدعم العسكري المكثف لكييف. يمكن تحليل هذا الموقف من خلال مقارنة سيناريوهين رئيسيين:
السيناريو الأول: تصاعد الانقسام داخل الناتو
في هذا السيناريو، قد يؤدي موقف سلوفاكيا، إلى جانب دول أخرى مثل المجر، إلى إضعاف التزام الحلف الجماعي تجاه أوكرانيا. إذا استمرت هذه الدول في استخدام حق النقض ضد قرارات الدعم، فقد يضطر الناتو إلى تبني نهج أقل طموحاً، مما قد يرسل إشارات سلبية إلى موسكو بشأن وحدة الغرب. هذا السيناريو يحمل مخاطر جيوسياسية كبيرة، لأنه قد يشجع روسيا على تصعيد عملياتها العسكرية معتقدة أن دعم الغرب لأوكرانيا بدأ يتآكل. اقتصادياً، قد يؤدي تراجع الدعم إلى زيادة الضغوط على أوكرانيا للقبول بتسوية تفاوضية غير مواتية.
السيناريو الثاني: تسوية داخلية عبر آليات مرنة
في المقابل، قد يدفع هذا التحدي الناتو إلى تطوير آليات أكثر مرونة تسمح للدول الأعضاء بالمشاركة في الدعم وفقاً لقدراتها ومصالحها الوطنية، دون إجبار الجميع على الالتزام بحزمة موحدة. على سبيل المثال، يمكن إنشاء صندوق طوعي تساهم فيه الدول الراغبة فقط، مع تقديم ضمانات أمنية للدول المترددة. هذا السيناريو قد يحافظ على تماسك الحلف مع احترام الخصوصيات الوطنية، لكنه قد يؤدي إلى بطء في تقديم الدعم لأوكرانيا.
تاريخياً، تعود جذور الموقف السلوفاكي إلى الإرث السياسي لفيتسو، الذي ينتمي إلى التيار القومي اليساري المتشكك في التكامل الأوروبي. خلال فترة ولايته السابقة، أظهر فيتسو ميلاً إلى التقارب مع روسيا، مما أثار قلق بروكسل. لكن مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، اضطر إلى تعديل موقفه تحت ضغط الرأي العام الأوروبي، لكنه عاد الآن ليعبر عن تحفظاته بشكل أكثر وضوحاً.
على الصعيد الإقليمي، قد يؤثر الموقف السلوفاكي على دول فيشغراد الأخرى، خاصة بولندا التي تتبنى موقفاً متشدداً تجاه روسيا. من المتوقع أن تشهد العلاقات بين سلوفاكيا وجيرانها توتراً إذا استمر فيتسو في عرقلة قرارات الناتو. كما أن هذا الموقف قد يعزز موقف المجر، التي تتبنى سياسة مماثلة.
من منظور اقتصادي، ترتبط تحفظات فيتسو بالوضع الاقتصادي الصعب لسلوفاكيا، التي تعاني من تضخم مرتفع وديون متزايدة. يفضل فيتسو توجيه الموارد نحو مشاريع داخلية مثل تحسين البنية التحتية والرعاية الصحية، بدلاً من الإنفاق على صراع خارجي. هذا التوجه يحظى بشعبية بين الناخبين، لكنه قد يؤدي إلى عزلة دبلوماسية لسلوفاكيا داخل الاتحاد الأوروبي.
في المستقبل، سيعتمد مسار هذه القضية على نتائج الانتخابات الأوروبية المقبلة. إذا فازت الأحزاب الشعبوية في عدة دول، فقد نشهد تحولاً جماعياً نحو تقليص الدعم لأوكرانيا. على الجانب الآخر، إذا استمرت الأحزاب المؤيدة لأوروبا في الهيمنة، فقد يتمكن الناتو من تجاوز هذه العقبة.
الخلاصة: موقف فيتسو ليس مجرد اعتراض عابر، بل هو جزء من نمط أوسع من التعبير عن المصالح الوطنية داخل الناتو. قدرة الحلف على إدارة هذه الخلافات ستحدد مستقبل الدعم لأوكرانيا ومصداقية التضامن الغربي.