فقدت الساحة الفنية الجزائرية أحد أبرز رموزها، الفنان علي إيدفلاون، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 69 عاماً بعد معاناة طويلة مع المرض. اسمه الحقيقي علي آيت فرحات، وهو مغنٍّ وملحنٌ وشاعرٌ أمازيغي، كرس حياته للدفاع عن الثقافة الأمازيغية وحقوق الإنسان والديمقراطية في الجزائر.
ولد إيدفلاون في قرية صغيرة بمنطقة القبائل، ونشأ في بيئة غنية بالتقاليد الأمازيغية، مما شكَّل وجدانه الفني والنضالي. بدأ مسيرته الفنية في سبعينيات القرن الماضي، وسرعان ما أصبح صوتاً معبراً عن تطلعات الأمازيغ في الحرية والاعتراف بهويتهم الثقافية واللغوية.
تميز إيدفلاون بأسلوب موسيقي فريد، اعتمد فيه على الغيتارة كآلة رئيسية، إلى جانب إيقاعات أمازيغية تقليدية. كانت أغانيه تحمل رسائل اجتماعية وسياسية عميقة، تدعو إلى المساواة والعدالة ونبذ التمييز. من أشهر أعماله أغنية "أفوس أفوس" التي أصبحت نشيداً للمطالب الأمازيغية.
لم يقتصر نضال إيدفلاون على الفن، بل كان ناشطاً حقوقياً بارزاً، شارك في العديد من التحركات والمظاهرات المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية. تعرض بسبب مواقفه للمضايقات ومنع من الغناء في فترات سابقة، لكنه لم يثنِ عن مواصلة طريقه.
شهدت مسيرته محطات فارقة، أبرزها إضرابه عن الطعام في عام 2001 احتجاجاً على تهميش الثقافة الأمازيغية، مما لفت الأنظار إلى قضيته محلياً ودولياً. كما كان من أبرز المدافعين عن الاعتراف الرسمي باللغة الأمازيغية في الدستور الجزائري، وهو ما تحقق جزئياً في التعديلات الدستورية اللاحقة.
رحيل إيدفلاون يخلف فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي الجزائري، حيث كان يمثل جسراً بين الأجيال، ونموذجاً للفنان الملتزم بقضايا شعبه. وقد نعته شخصيات فنية وسياسية وثقافية، معتبرين رحيله خسارة للوطن وللثقافة الأمازيغية.
ترك إيدفلاون إرثاً فنياً غنياً، يتضمن عشرات الأغاني التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية. كما ألهم جيلاً جديداً من الفنانين الشباب الذين ساروا على دربه في الجمع بين الفن والنضال.
في ذكراه، يظل إيدفلاون رمزاً للمقاومة السلمية والتمسك بالهوية، وصوته الذي لم يخفت يردد في كل زاوية من الجزائر، مذكراً بأهمية الحرية والكرامة.
