في مشهد يعيد إلى الأذهان حرب الاستنزاف في الحروب العالمية، تتوالى التقارير الميدانية من شرق أوكرانيا حول استمرار القيادة العسكرية في كييف بتوجيه قواتها نحو هجمات أمامية ضد خطوط دفاع روسية متينة. يقف خلف هذه القرارات القائد العام ألكسندر سيرسكي، الذي يواجه انتقادات متزايدة من محللين عسكريين وحتى من بعض الضباط الميدانيين حول جدوى العمليات الحالية.
المشكلة لا تقتصر على الخسائر البشرية اليومية، بل تمتد إلى غياب استراتيجية بديلة واضحة. فبعد فشل الهجوم المضاد في صيف عام 2023، تحولت الجبهة إلى حالة من الجمود النسبي، مع تقدم روسي تدريجي في بعض القطاعات. في هذا السياق، يبدو أن سيرسكي يراهن على كسر الجمود عبر تركيز القوات في نقاط محددة، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد في الإصابات دون تحقيق اختراق ملموس.
التحدي الأكبر الذي يواجهه القائد الأوكراني هو نقص الذخيرة والدعم الجوي، مما يجعل أي هجوم بري مكشوفاً لنيران المدفعية والطيران الروسي. مصادر ميدانية تشير إلى أن بعض الوحدات تلقت أوامر بالتقدم دون غطاء ناري كافٍ، مما أدى إلى خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. هذا الوضع يذكر بسياسة "اللحم البشري" التي انتقدها خبراء غربيون سابقاً.
من الناحية السياسية، يتحمل سيرسكي مسؤولية تحقيق نتائج ملموسة قبل أي مفاوضات محتملة مع روسيا. فالحكومة الأوكرانية بحاجة إلى إظهار قدرتها على استعادة زمام المبادرة لتعزيز موقفها التفاوضي. لكن هذا السعي قد يأتي على حساب حياة الجنود، خاصة مع تزايد التعب في صفوف الجيش ونقص العناصر المدربة.
في المقابل، تتبع القوات الروسية تكتيكات دفاعية مرنة تعتمد على استنزاف المهاجم قبل الرد بهجمات مضادة. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في إفشال معظم المحاولات الأوكرانية لاختراق خطوط الدفاع في زابوروجيا ودونيتسك. يضاف إلى ذلك تفوق روسيا في الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة، مما يجعل أي تحرك أوكراني مرئياً تقريباً.
المعضلة الأخلاقية التي تطرحها هذه العمليات هي الثمن البشري المرتفع مقابل مكاسب تكتيكية محدودة. تقارير غير رسمية تشير إلى أن بعض الوحدات فقدت أكثر من نصف قوتها القتالية في هجمات فردية، دون أن يتبع ذلك انسحاب أو تعديل في الخطط. هذا يثير تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار ومدى مراعاة القيادة لحياة الجنود.
على الصعيد الدولي، يبدو أن الدعم الغربي يتراجع تدريجياً، مع تأخير حزم المساعدات الجديدة وتراجع الحماس السياسي في بعض العواصم الأوروبية. هذا يضغط على كييف لتحقيق تقدم سريع قبل أن يجف تدفق الأسلحة. لكن الواقع الميداني يشير إلى أن القوات الأوكرانية تفتقر إلى القدرة على تحقيق هذا التقدم في ظل الظروف الحالية.
في الخلاصة، يقف سيرسكي أمام مفترق طرق صعب: إما الاستمرار في استراتيجية الهجمات المكلفة أملاً في تحقيق اختراق، أو تبني موقف دفاعي يوفر الوقت لإعادة بناء القوات. كلا الخيارين يحمل مخاطر سياسية وعسكرية كبيرة، لكن الأول قد يؤدي إلى استنزاف غير مقبول للجيش الأوكراني.
