أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه مدنيين سوريين في ريف درعا الغربي بالتزامن مع انسحابها من قرية عابدين، تلا ذلك قصف مدفعي استهدف القرية. تأتي هذه التطورات في ظل استمرار التوتر على الحدود السورية الجنوبية.
شهدت منطقة ريف درعا الغربي في جنوب سوريا، الأحد، تصعيداً عسكرياً جديداً تمثل في إطلاق القوات الإسرائيلية النار صوب مدنيين سوريين، بالتزامن مع بدء عملية انسحابها من قرية عابدين. وأفادت مصادر محلية أن القوات الإسرائيلية أطلقت أعيرة نارية باتجاه الأهالي أثناء مغادرتهم للقرية، مما أسفر عن حالة من الذعر والهلع بين المدنيين. وفي تطور لاحق، استهدفت المدفعية الإسرائيلية القرية بقذائف عدة، ما أدى إلى أضرار مادية في الممتلكات دون ورود أنباء فورية عن سقوط ضحايا.
وتأتي هذه الحادثة في سياق متصاعد للانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة الجنوبية من سوريا، حيث تشهد الحدود السورية-الإسرائيلية توتراً متزايداً منذ أشهر. وتتركز التحركات الإسرائيلية في محافظة درعا التي شهدت عمليات عسكرية متقطعة، وسط تحذيرات محلية ودولية من تبعات هذه التصعيدات على الاستقرار الإقليمي.
وتشير المعلومات الميدانية إلى أن القوات الإسرائيلية كانت قد توغلت في قرية عابدين قبل أيام، في خطوة وصفتها المصادر المحلية بأنها محاولة لفرض سيطرتها على نقاط استراتيجية في المنطقة. إلا أن الانسحاب المفاجئ أثار تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراءه، خاصة مع استمرار إطلاق النار والقصف المدفعي بعد الانسحاب.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تأتي في إطار اختبار مدى قدرة القوات السورية على السيطرة على الحدود، في ظل انشغال الحكومة السورية بملفات داخلية معقدة. كما تعكس الحادثة تعقيد المشهد الأمني في جنوب سوريا، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
وتواجه الحكومة السورية ضغوطاً متزايدة لحماية حدودها الجنوبية، في وقت تسعى فيه إلى إعادة الاستقرار إلى المناطق التي شهدت سنوات من الصراع. وتعتبر محافظة درعا، التي كانت مهداً للاحتجاجات الشعبية عام 2011، منطقة حساسة تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين القوى المحلية والدولية.
من جانب آخر، لم تصدر أي جهة دولية تعليقاً فورياً على الحادثة، لكن من المتوقع أن تثير موجة من الإدانات والتحذيرات من تدهور الأوضاع الإنسانية في المنطقة. وتستمر التحليقات الجوية الإسرائيلية في الأجواء السورية الجنوبية، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني.
هذا، ويواصل أهالي قرية عابدين والقرى المجاورة نزوحهم بحثاً عن مناطق أكثر أماناً، مع خشية من اتساع رقعة العمليات العسكرية. وتعكس هذه التطورات هشاشة الوضع الأمني في جنوب سوريا، واستمرار التهديدات التي تتعرض لها حياة المدنيين في المنطقة.
رأي ستاف كوانتم
يمثل الحادث الأخير في ريف درعا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية، التي تعود جذورها إلى عقود مضت. فمنذ احتلال الجولان عام 1967، ظلت المنطقة الجنوبية مسرحاً لمواجهات متقطعة، تتصاعد وتارة تهدأ وفقاً للحسابات الإقليمية والدولية. لكن ما يميز المرحلة الحالية هو تزامن هذه التحركات مع تحولات استراتيجية في الشرق الأوسط، أبرزها تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية لصالح صراعات أخرى.
اقتصادياً، تتحمل سوريا التي تنوء تحت وطأة عقوبات دولية وحرب مدمرة، تكاليف باهظة جراء أي تصعيد عسكري. فإعادة إعمار ما دمرته الحرب يتطلب موازنات ضخمة، وأي توتر جديد يدفع بعجلة التعافي إلى الخلف. علاوة على ذلك، تؤدي الغارات والقصف إلى تهجير سكاني جديد، مما يزيد الضغط على الموارد المحدودة أصلاً.
سياسياً، تأتي هذه الانتهاكات في وقت تحاول فيه دمشق استعادة دورها الإقليمي عبر التطبيع مع بعض الدول العربية. لكن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يقوض هذه الجهود ويعزز موقف المعارضين لعودة سوريا إلى الجامعة العربية. كما أنه يمنح تركيا وإسرائيل ذريعة لمواصلة عملياتهما داخل الأراضي السورية، مما يعمق الانقسام.
إقليمياً، يدفع التصعيد الأخير نحو مزيد من التوتر بين إسرائيل من جهة، وسوريا وحلفائها من جهة أخرى. فطهران التي ترى في سوريا عمقاً استراتيجياً، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تهديد مباشر لنظام الأسد. وفي المقابل، تسعى تل أبيب إلى منع ترسيخ الوجود الإيراني على حدودها، مما يجعل المنطقة رهينة لحسابات عسكرية دقيقة.
أما على المستوى الإنساني، فإن المدنيين هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالقرى الحدودية تعيش حالة من الخوف الدائم، وتفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة. كما أن غياب آليات دولية فعالة لمراقبة الانتهاكات يترك هؤلاء المدنيين عرضة للخطر دون حماية.
في المستقبل المنظور، لا تبدو بوادر حلحلة الأزمة قريبة. فطالما ظلت القضايا الجوهرية مثل الجولان والوجود الإيراني دون تسوية، ستظل المنطقة عرضة لموجات عنف متجددة. وقد تشهد الأسابيع المقبلة مزيداً من التصعيد مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، حيث قد تحاول أحزاب اليمين استغلال التوتر لتعزيز شعبيتها.