سياسة

انقسام لبناني يعقد انتشار الجيش في الجنوب مع اقتراب مهلة الانسحاب الإسرائيلي

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٧ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٣٤ م5 دقائق قراءة
انقسام لبناني يعقد انتشار الجيش في الجنوب مع اقتراب مهلة الانسحاب الإسرائيلي

يعاني الجيش اللبناني من تحديات في الانتشار جنوب الليطاني بسبب انقسام سياسي وشعبي حاد حول الاتفاق مع إسرائيل، مع اقتراب موعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار.

يواجه الجيش اللبناني مهمة معقدة في نشر قواته جنوب نهر الليطاني، في ظل انقسام لبناني حاد حول الاتفاق المبرم مع إسرائيل لوقف إطلاق النار. فبينما يرى مؤيدو الاتفاق أنه خطوة ضرورية لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال، يعتبره معارضوه تنازلاً غير مقبول يمس الثوابت الوطنية.

ويأتي هذا الانقسام في وقت حرج، إذ تقترب المهلة المحددة لانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، في إطار التفاهمات التي أنهت المواجهات العسكرية الأخيرة. وتنص الاتفاقات على أن يحل الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل محل الجيش الإسرائيلي في المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني.

لكن العقبة الأكبر لا تكمن فقط في الميدان، بل في الاستقطاب السياسي الذي يعصف بالبلاد. فالقوى السياسية اللبنانية منقسمة بشكل حاد حول تقييم الاتفاق: فريق يعتبره انتصاراً دبلوماسياً أعاد للدولة هيبتها، وآخر يراه خضوعاً للضغوط الأمريكية الإسرائيلية على حساب المقاومة.

ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا الانقسام إلى عرقلة عمل الجيش، الذي يسعى جاهداً لإظهار حياده وتمسكه بالقرار الوطني. فالجنود اللبنانيون يجدون أنفسهم في موقف صعب، حيث يطالبهم أنصار المقاومة برفض التعاون مع أي ترتيبات مع إسرائيل، بينما يحثهم آخرون على تأكيد سيطرة الدولة على كامل أراضيها.

وتتفاقم المشكلة مع استمرار الخروقات الإسرائيلية للاتفاق، والتي تشمل تحليق طائرات مسيرة في الأجواء اللبنانية واشتباكات متفرقة على الحدود. هذه الخروقات تزيد الشكوك لدى اللبنانيين حول جدوى الاتفاق، وتغذي مواقف الرافضين له.

من جهة أخرى، يعاني الجيش اللبناني من نقص حاد في الإمكانيات اللوجستية والمالية، مما يصعّب مهمة الانتشار في منطقة شاسعة ومعقدة جغرافياً. ويحتاج الجيش إلى دعم دولي لتعزيز وجوده، لكن هذا الدعم قد يكون مشروطاً بتنفيذ بنود الاتفاق بدقة، وهو ما يرفضه معارضوه.

وتلعب القوى الإقليمية دوراً في تأجيج الانقسام داخل لبنان، حيث تسعى بعض الأطراف لاستغلال الموقف لتعزيز نفوذها. فإيران وحلفاؤها في لبنان يرون في الاتفاق تهديداً لمصالحهم، بينما تدعم دول عربية وغربية تنفيذه كخطوة نحو استقرار المنطقة.

على المستوى الشعبي، تتباين ردود الأفعال بين من يرحب بعودة الجيش كرمز للدولة، ومن يعتبر أن أي تعاون مع إسرائيل خيانة للقضية الفلسطينية. وهذه الانقسامات تضعف موقف لبنان التفاوضي وتجعل من الصعب تحقيق تقدم حقيقي في الملفات العالقة.

ومع اقتراب الموعد النهائي للانسحاب الإسرائيلي، يبقى السؤال: هل يتمكن الجيش اللبناني من فرض سيطرته على الجنوب رغم الانقسام الداخلي؟ أم أن الخلافات السياسية ستعيد البلاد إلى دائرة العنف وعدم الاستقرار؟

في ظل هذه المعطيات، تبدو مهمة الجيش شبه مستحيلة دون توافق وطني شامل. فالانتشار العسكري وحده لا يكفي إذا لم يكن مدعوماً بإرادة سياسية موحدة. وقد حذر قادة عسكريون من أن استمرار الانقسام قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق برمته وعودة المواجهات.

وتسعى الأمم المتحدة عبر قوات اليونيفيل إلى تسهيل عملية الانتشار، لكنها تصطدم بتعقيدات سياسية وأمنية. وتعمل الأطراف الدولية والإقليمية على احتواء التوتر، لكن الحل النهائي يبقى رهناً بقدرة اللبنانيين على تجاوز خلافاتهم.

وفي المحصلة، يمثل هذا الملف اختباراً حقيقياً للدولة اللبنانية، التي تسعى لإثبات قدرتها على بسط سيطرتها على كامل أراضيها بعد سنوات من الفوضى. لكن الطريق ما زال طويلاً أمام تحقيق هذا الهدف، وسط استمرار الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية.

رأي ستاف كوانتم

الانقسام اللبناني حول الاتفاق مع إسرائيل ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو انعكاس لأزمة هوية وطنية عميقة تعصف بالبلاد منذ عقود. فمنذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، لم يتمكن اللبنانيون من الاتفاق على رؤية موحدة لدور الدولة وعلاقتها بالمقاومة والقضايا الإقليمية.

هذا الانقسام يضع الجيش اللبناني في موقف لا يحسد عليه، إذ يطالب بتأدية مهامه في ظل غياب غطاء سياسي جامع. الجيش الذي يُنظر إليه كأحد المؤسسات القليلة الناجحة في لبنان، يجد نفسه اليوم في مرمى نيران الخلافات السياسية، مما يهدد وحدته وكفاءته.

ما يثير القلق أن هذا الانقسام لا يخدم سوى إسرائيل، التي تستفيد من ضعف الدولة اللبنانية لمواصلة خروقاتها وتوسيع نطاق سيطرتها على المنطقة الحدودية. فكلما زادت الخلافات الداخلية، كلما ضعفت قدرة لبنان على الدفاع عن سيادته ومطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل.

كما أن الانقسام يضر بمصداقية لبنان أمام المجتمع الدولي، الذي يترقب مدى جدية الدولة في تنفيذ التزاماتها. فإذا فشل الجيش في الانتشار بشكل فعال، فإن ذلك سيضعف ثقة المانحين الدوليين الذين تعهدوا بتقديم مساعدات للجيش اللبناني، مما يفاقم أزمته المالية.

وفي السياق الإقليمي، يمثل الملف اللبناني ورقة ضغط في الصراع بين المحور الإيراني والمحور العربي الغربي. فإيران تسعى لإبقاء لبنان ساحة لعدم الاستقرار لخدمة أجندتها، بينما تحاول دول الخليج والغرب استقرار لبنان لإبعاده عن النفوذ الإيراني. وهذا الصراع الإقليمي ينعكس سلباً على الداخل اللبناني ويزيد من حدة الانقسامات.

لذا، فإن الحل الوحيد يكمن في حوار وطني جاد يخرج لبنان من دوامة الخلافات، ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمقاومة وفق أسس واضحة تحفظ سيادة لبنان ومصالحه. كما يجب على القوى السياسية أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

أما في المدى القريب، فعلى الجيش اللبناني أن يثبت حياده ومهنته، وأن يتعامل مع الجميع على قدم المساواة، مع التأكيد على التزامه بالقانون الدولي والاتفاقات الموقعة. وفي الوقت نفسه، على المجتمع الدولي أن يضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، حتى لا يبدو الاتفاق وكأنه يخدم طرفاً على حساب آخر.

في المحصلة، لبنان أمام مفترق طرق: إما أن يتحد أبناؤه لبناء دولة قوية قادرة على فرض سيادتها، أو أن يستمر الانقسام الذي سيقود حتماً إلى مزيد من الانهيار. الخيارات صعبة، لكنها ضرورية لمستقبل البلاد.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →