في ظل عاصفة اقتصادية عالمية تضرب جميع الدول، برز الاقتصاد المصري كاستثناء لافت بتحقيقه نمواً حقيقياً بلغ 5.6% خلال العام المالي الماضي، متجاوزاً تبعات أزمة مضيق هرمز التي هددت إمدادات الطاقة العالمية. هذا النمو لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة سياسات اقتصادية متوازنة استطاعت تحويل التحديات إلى فرص.
فمع بداية العام 2023، بدأت أزمة مضيق هرمز تلوح في الأفق، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد. لكن مصر، التي تعتمد على قناة السويس كممر حيوي للتجارة العالمية، تمكنت من استثمار موقعها الاستراتيجي لتعزيز الإيرادات من رسوم العبور، والتي سجلت زيادة بنسبة 20% مقارنة بالعام السابق. هذا الدعم المالي الإضافي ساعد في تمويل مشروعات البنية التحتية التي تعزز النمو.
على الصعيد المحلي، ركزت الحكومة على تحسين بيئة الأعمال من خلال إصلاحات هيكلية شملت قانون الاستثمار الجديد وتطوير المناطق الحرة. وقد انعكست هذه الإجراءات في زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 15%، خاصة في قطاعي الطاقة المتجددة والتكنولوجيا. كما ساهم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ قبل سنوات في بناء قاعدة متينة للاقتصاد، حيث تقلص عجز الموازنة إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي.
لم يقتصر الأداء الإيجابي على القطاع المالي، بل امتد إلى القطاعات الإنتاجية. فقد شهد قطاع الزراعة نمواً بنسبة 4%، بدعم من مشروعات التوسع الرأسي والأفقي، بينما نما قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 7%، بفضل زيادة الصادرات إلى الأسواق الأفريقية والعربية. كما ساهمت مشروعات الطاقة الجديدة، مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية، في خفض فاتورة الطاقة وزيادة القدرة التنافسية.
على الصعيد النقدي، حافظ البنك المركزي على استقرار سوق الصرف، مع احتياطيات نقدية تجاوزت 35 مليار دولار، مما وفر غطاءً للمستوردات الأساسية. وقد ساعد هذا الاستقرار في كبح جماح التضخم، الذي تراجع إلى 10% في نهاية العام، من 14% قبل عام. كما انخفضت أسعار الفائدة تدريجياً، مما حفز الائتمان للقطاع الخاص.
من ناحية أخرى، لعبت السياسات الاجتماعية دوراً في تخفيف آثار الأزمة على الفئات الأكثر تضرراً. فقد تم توسيع شبكة الحماية الاجتماعية لتشمل 10 ملايين أسرة، مع زيادة مخصصات برنامج "تكافل وكرامة". كما تم تثبيت أسعار السلع الأساسية في المنافذ الحكومية، مما ساعد في استقرار الأسعار.
وعلى الرغم من التحديات العالمية، تمكنت مصر من الحفاظ على معدل بطالة عند 7%، وهو أدنى مستوى له منذ عقدين. وقد استوعب قطاعا السياحة والبناء أعداداً كبيرة من العمالة، حيث ارتفع عدد السياح بنسبة 25% ليصل إلى 15 مليون سائح، بفضل حملات الترويج السياحي وتحسين البنية التحتية الفندقية.
في المجمل، يؤكد الأداء الاقتصادي المصري قدرة الدولة على تجاوز الأزمات العالمية بفضل رؤية استراتيجية واضحة وإصلاحات مستدامة. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، تظل مصر قادرة على الحفاظ على مسارها التنموي، بفضل تنوع مصادر النمو ومرونة الاقتصاد.
