في شهر يونيو من عام 1926، وفي حي بروكلين الشعبي بنيويورك، وعلى طاولة المطبخ في شقة متواضعة، ولد ميل بروكس. بعد مئة عام، يقف هذا المخرج والممثل والكاتب كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الكوميديا الأمريكية والعالمية. رحلته الطويلة هي قصة أمريكا نفسها، وقصة اليهود الأمريكيين، وقصة الكوميديا اليهودية الأمريكية.
وُلِد بروكس لوالدين مهاجرين من أوروبا الشرقية، وعاش طفولة قاسية بعد وفاة والده عندما كان ميلفين في الثانية من عمره. نشأ تحت رعاية أمه، وكان طفلاً نحيلاً مريضاً، وهو الأصغر بين أربعة إخوة. ربما يفسر هذا شغفه المرضي تقريباً بجذب الانتباه. على حد تعبير زميله لاري غيلبارت: "اعتقد ميل أن صفعة الطبيب على مؤخرته عند ولادته كانت تصفيقاً، ولم يتوقف عن الأداء منذ ذلك الحين".
في شبابه، كان أسلوب بروكس المفضل في إحداث الضجيج هو العزف على الطبول، وقد تعلمها على يد عازف الجاز العظيم بادي ريتش. لم يكن أي منهما يعلم حينها أنهما سيحدثان تأثيرات زلزالية على أعظم شكلين فنيين أمريكيين: الكوميديا والجاز.
لكن شباب بروكس، مثل الكثيرين، قاطعته الحرب العالمية الثانية. انضم المراهق إلى الجيش وشارك في معركة البولج. إذا كان المرء يبحث عن فهم جرأة الفنان والتزامه المطلق بالسخرية من النازيين لبقية أيامه، فإن سنوات الحرب تلك تقدم تفسيراً وافياً. قد يفسر هذا أيضاً قوله المأثور: "الكوميديا هي عكس الموت".
بعد الحرب، بدأ بروكس مسيرته في عالم الكوميديا من خلال الكتابة للتلفزيون، وشارك في ابتكار مسلسل "عرض ال 2000 سنة العجوز". لكن انطلاقته الكبرى كانت مع فيلم "المنتجون" عام 1967، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. الفيلم، الذي يسخر من هتلر والنازية من خلال قصة منتج مسرحي يحاول خداع المستثمرين بإنتاج مسرحية فاشلة عن هتلر، أصبح علامة فارقة في تاريخ الكوميديا السوداء.
أتبع بروكس ذلك بسلسلة من الأفلام الكوميدية الناجحة مثل "الشعلات" و"السرج الملتهب" و"فرانكشتاين الشاب"، وكلها تميزت بأسلوبه الفريد في المزج بين الهجاء اللاذع والفكاهة الشعبية. لم يكتف بروكس بإضحاك الجماهير، بل استخدم الكوميديا كأداة لنقد المجتمع والسياسة، متحدياً التابوهات ومتجاوزاً حدود الذوق السائد.
مع بلوغه المئة عام، يظل بروكس رمزاً للإبداع والجرأة. مسيرته الطويلة لم تقتصر على السينما، بل شملت المسرح والتلفزيون والموسيقى. حصل على جوائز عديدة، بما في ذلك جائزة الأوسكار وجائزة إيمي وجائزة توني وجائزة غرامي، محققاً نادراً ما يسمى بـ"إيغوت" (EGOT).
يرى النقاد أن سر طول عمر بروكس الفني يكمن في قدرته على تحويل الألم إلى ضحك. فتجربته في الحرب، وفقدان والده، وهويته اليهودية، كلها تحولت إلى مادة خام لفنه. في مقابلة سابقة، قال بروكس: "الضحك هو أقوى سلاح لدينا ضد المأساة. إنه يذكرنا بأننا أحياء".
اليوم، مع احتفال العالم بمئويته، يظل ميل بروكس دليلاً حياً على أن الكوميديا ليست مجرد ترفيه، بل هي فلسفة حياة تتحدى الموت واليأس. إرثه سيستمر لأجيال قادمة، ملهماً المبدعين في كل مكان.
