في تطور لافت يعكس ديناميكية العلاقات بين موسكو ومينسك، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن مباحثاته الأخيرة مع نظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو كانت ناجحة، مؤكداً أن موسكو ممتنة له على جهوده المتعلقة بالقضايا الخاصة بأوكرانيا. وجاء هذا الإعلان خلال لقاء جمعهما في الكرملين، حيث ناقشا مجموعة من الملفات الثنائية والإقليمية، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية التي دخلت عامها الثالث.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل الجمود الذي يسيطر على مسار التفاوض بين موسكو وكييف، حيث تسعى بيلاروسيا إلى لعب دور الوسيط في محاولة لتقريب وجهات النظر. وكان لوكاشينكو قد أبدى استعداداً لاستضافة جولات تفاوضية جديدة، معتبراً أن بلاده يمكن أن تكون منصة محايدة للحوار.
ويرى مراقبون أن توجيه الشكر العلني من بوتين للوكاشينكو يحمل رسائل متعددة، أبرزها التأكيد على وحدة الموقف بين الحليفين في مواجهة الضغوط الغربية، وإظهار التنسيق الوثيق بينهما على المستوى الاستراتيجي. كما يعكس ذلك رغبة موسكو في إظهار وجود قنوات اتصال مفتوحة مع كييف عبر وسيط موثوق، رغم تعنت الجانب الأوكراني في مواقفه.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه جبهات القتال تصعيداً ملحوظاً، مع استمرار العمليات العسكرية في شرق أوكرانيا وجنوبها. وفي هذا السياق، يرى محللون أن جهود الوساطة البيلاروسية قد تكون محدودة التأثير في ظل غياب أي مؤشرات على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات جوهرية.
من جهة أخرى، أثار التعاون الروسي-البيلاروسي في الملف الأوكراني ردود فعل متباينة في العواصم الغربية، حيث أعربت دول الاتحاد الأوروبي عن قلقها من تزايد الدور البيلاروسي كحليف لموسكو. كما تشير بعض المصادر إلى أن مينسك تواجه ضغوطاً متزايدة من الغرب للتخلي عن دعمها للعملية العسكرية الروسية.
وفي تحليل للخلفية التاريخية، تعود العلاقات الوثيقة بين موسكو ومينسك إلى حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي، حيث شكلت بيلاروسيا حليفاً استراتيجياً لروسيا في منطقة ما يسمى بـ"الخارج القريب". وقد تعززت هذه العلاقة بشكل كبير منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014، حيث وقفت مينسك إلى جانب موسكو في مواجهة العقوبات الغربية.
ويشير المتابعون إلى أن لوكاشينكو يسعى من خلال دوره الوسيط إلى تعزيز مكانته الدولية وإظهار نفسه كصانع سلام، خاصة بعد أن واجه انتقادات واسعة بسبب قمعه للمعارضة الداخلية. كما أن نجاح أي جهود وساطة قد يسهم في تخفيف العزلة الدولية التي تعاني منها بيلاروسيا.
على الصعيد الميداني، لا تزال التطورات في أوكرانيا متقلبة، حيث أعلنت كييف عن هجمات جديدة على مواقع روسية في عدة محاور. وفي المقابل، تواصل القوات الروسية تقدمها في بعض المناطق، مع سعيها لتعزيز سيطرتها على المناطق التي ضمتها.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن توقيت تصريحات بوتين قد يكون مرتبطاً بمحاولة إظهار مرونة دبلوماسية قبل أي مفاوضات محتملة، رغم أن الشروط المسبقة التي تطرحها موسكو تظل عقبة رئيسية أمام أي تقدم.
وختاماً، تبقى جهود الوساطة البيلاروسية في الملف الأوكراني خطوة محدودة في مسار معقد، لكنها تحمل في طياتها مؤشرات على أن موسكو لا تزال تبحث عن قنوات دبلوماسية، ولو كانت رمزية، في ظل استمرار المواجهة العسكرية.
