في خطوة تعكس التغير الجذري في مسار العلاقات الثنائية، أعلن الجيش المصري، السبت، مشاركة قواته الجوية في فعاليات التدريب الجوي المشترك المصري التركي "نسر الأناضول 2026" الذي يُعقد في تركيا بمشاركة حلف شمال الأطلسي (الناتو). يأتي هذا الإعلان بعد أيام قليلة من تدريبات بحرية مشتركة بين البلدين في البحر المتوسط، مما يؤكد أن مسار التقارب بين القاهرة وأنقرة لم يعد مجرد تصريحات دبلوماسية، بل تحول إلى تعاون عسكري ملموس.
التدريب الجوي "نسر الأناضول 2026" يُعد من أكبر المناورات الجوية في المنطقة، ويشارك فيه إلى جانب القوات المصرية والتركية، عدد من دول الناتو، مما يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز الإطار الثنائي. وتشمل المناورات طلعات جوية قتالية وتكتيكية، وعمليات إنزال جوي، وتنسيق عمليات البحث والإنقاذ، بالإضافة إلى تبادل الخبرات في مجال الحرب الإلكترونية.
هذه المشاركة المصرية تأتي بعد قطيعة دبلوماسية استمرت قرابة عقد من الزمن، حيث كانت العلاقات بين البلدين متوترة على خلفية مواقف متباينة من قضايا إقليمية، خصوصاً الملف الليبي والموقف من جماعة الإخوان المسلمين. لكن الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين في العامين الماضيين مهدت الطريق لعودة العلاقات، وبلغت ذروتها بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024.
من الناحية العسكرية، يُعد هذا التدريب نقلة نوعية، حيث أن التنسيق بين القوات الجوية المصرية والتركية يفتح الباب أمام تبادل التكتيكات القتالية في منطقة شرق المتوسط، وهي منطقة تشهد تنافساً على الموارد الطبيعية، خاصة الغاز. كما أن مشاركة الناتو تمنح المناورات غطاءً سياسياً وأمنياً واسعاً، وتعزز من دور تركيا كحليف رئيسي للحلف في المنطقة.
ويرى مراقبون أن هذه التدريبات تحمل رسائل متعددة: فهي من جهة تؤكد أن مصر تعيد تموضعها في المنطقة من خلال شراكات جديدة، ومن جهة أخرى تظهر أن تركيا تسعى لتعزيز وجودها العسكري في البحر المتوسط عبر التعاون مع قوى إقليمية كبرى كالقاهرة.
من المتوقع أن تستمر فعاليات التدريب لنحو أسبوعين، وتختتم بمناورة رئيسية يحضرها قادة عسكريون من الدول المشاركة. كما أن هناك توقعات بأن يتوسع التعاون ليشمل مجالات أخرى مثل التصنيع العسكري المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
هذا التطور اللافت في العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التحالفات الإقليمية، خاصة في ضوء التوترات القائمة في المنطقة بين محاور مختلفة. فالتقارب المصري التركي قد يغير المعادلات التقليدية، ويؤدي إلى خلق محور جديد يجمع بين القوتين العسكريتين الأهم في شرق المتوسط.
لكن هذا التحول لا يخلو من التحديات، إذ أن هناك ملفات عالقة بين البلدين، أبرزها الوضع في ليبيا حيث يدعم كل طرف أطرافاً مختلفة، وكذلك الموقف من قضايا الطاقة في المتوسط. ومع ذلك، يبدو أن الجانبين اختارا التركيز على نقاط الاتفاق بدلاً من الاختلاف، على الأقل في المرحلة الحالية.
في الختام، تمثل مشاركة القوات الجوية المصرية في تدريبات "نسر الأناضول 2026" نقطة تحول رئيسية في العلاقات الثنائية، وتؤكد أن التقارب المصري التركي قد تجاوز مرحلة الشعارات إلى التعاون الميداني الفعلي، مما سيكون له انعكاسات كبيرة على الأمن الإقليمي في شرق المتوسط.
