سياسة

مصر وتركيا تنتقلان من التوتر إلى التدريبات الجوية المشتركة في الأناضول

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٧ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٢ م4 دقائق قراءة
مصر وتركيا تنتقلان من التوتر إلى التدريبات الجوية المشتركة في الأناضول

أعلن الجيش المصري مشاركة قواته الجوية في التدريب المشترك "نسر الأناضول 2026" في تركيا بمشاركة الناتو، في ثاني تعاون عسكري بين البلدين خلال أيام، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في العلاقات الثنائية.

في خطوة تعكس التغير الجذري في مسار العلاقات الثنائية، أعلن الجيش المصري، السبت، مشاركة قواته الجوية في فعاليات التدريب الجوي المشترك المصري التركي "نسر الأناضول 2026" الذي يُعقد في تركيا بمشاركة حلف شمال الأطلسي (الناتو). يأتي هذا الإعلان بعد أيام قليلة من تدريبات بحرية مشتركة بين البلدين في البحر المتوسط، مما يؤكد أن مسار التقارب بين القاهرة وأنقرة لم يعد مجرد تصريحات دبلوماسية، بل تحول إلى تعاون عسكري ملموس.

التدريب الجوي "نسر الأناضول 2026" يُعد من أكبر المناورات الجوية في المنطقة، ويشارك فيه إلى جانب القوات المصرية والتركية، عدد من دول الناتو، مما يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز الإطار الثنائي. وتشمل المناورات طلعات جوية قتالية وتكتيكية، وعمليات إنزال جوي، وتنسيق عمليات البحث والإنقاذ، بالإضافة إلى تبادل الخبرات في مجال الحرب الإلكترونية.

هذه المشاركة المصرية تأتي بعد قطيعة دبلوماسية استمرت قرابة عقد من الزمن، حيث كانت العلاقات بين البلدين متوترة على خلفية مواقف متباينة من قضايا إقليمية، خصوصاً الملف الليبي والموقف من جماعة الإخوان المسلمين. لكن الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين في العامين الماضيين مهدت الطريق لعودة العلاقات، وبلغت ذروتها بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024.

من الناحية العسكرية، يُعد هذا التدريب نقلة نوعية، حيث أن التنسيق بين القوات الجوية المصرية والتركية يفتح الباب أمام تبادل التكتيكات القتالية في منطقة شرق المتوسط، وهي منطقة تشهد تنافساً على الموارد الطبيعية، خاصة الغاز. كما أن مشاركة الناتو تمنح المناورات غطاءً سياسياً وأمنياً واسعاً، وتعزز من دور تركيا كحليف رئيسي للحلف في المنطقة.

ويرى مراقبون أن هذه التدريبات تحمل رسائل متعددة: فهي من جهة تؤكد أن مصر تعيد تموضعها في المنطقة من خلال شراكات جديدة، ومن جهة أخرى تظهر أن تركيا تسعى لتعزيز وجودها العسكري في البحر المتوسط عبر التعاون مع قوى إقليمية كبرى كالقاهرة.

من المتوقع أن تستمر فعاليات التدريب لنحو أسبوعين، وتختتم بمناورة رئيسية يحضرها قادة عسكريون من الدول المشاركة. كما أن هناك توقعات بأن يتوسع التعاون ليشمل مجالات أخرى مثل التصنيع العسكري المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

هذا التطور اللافت في العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التحالفات الإقليمية، خاصة في ضوء التوترات القائمة في المنطقة بين محاور مختلفة. فالتقارب المصري التركي قد يغير المعادلات التقليدية، ويؤدي إلى خلق محور جديد يجمع بين القوتين العسكريتين الأهم في شرق المتوسط.

لكن هذا التحول لا يخلو من التحديات، إذ أن هناك ملفات عالقة بين البلدين، أبرزها الوضع في ليبيا حيث يدعم كل طرف أطرافاً مختلفة، وكذلك الموقف من قضايا الطاقة في المتوسط. ومع ذلك، يبدو أن الجانبين اختارا التركيز على نقاط الاتفاق بدلاً من الاختلاف، على الأقل في المرحلة الحالية.

في الختام، تمثل مشاركة القوات الجوية المصرية في تدريبات "نسر الأناضول 2026" نقطة تحول رئيسية في العلاقات الثنائية، وتؤكد أن التقارب المصري التركي قد تجاوز مرحلة الشعارات إلى التعاون الميداني الفعلي، مما سيكون له انعكاسات كبيرة على الأمن الإقليمي في شرق المتوسط.

رأي ستاف كوانتم

التدريبات الجوية المشتركة بين مصر وتركيا في الأناضول ليست مجرد مناورة عسكرية عابرة، بل هي إعلان عن ولادة تحول استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. بعد سنوات طويلة من التوتر والقطيعة، يبدو أن القاهرة وأنقرة اختارتا طريق التعاون بدلاً من المواجهة، وهذا التطور يحمل في طياته فرصاً كبيرة وتحديات جسيمة.

من الناحية التاريخية، كانت العلاقات المصرية التركية نموذجاً للتعاون الإسلامي العلماني خلال القرن العشرين، لكنها انهارت بعد ثورة 2013 بسبب اختلاف الرؤى السياسية حول الحكم الإسلامي. ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية والأمنية في السنوات الأخيرة دفعت الطرفين إلى إعادة تقييم حساباتهما. فتركيا وجدت نفسها معزولة في شرق المتوسط بعد اتفاقيات الترسيم البحري بين مصر واليونان وقبرص، بينما احتاجت مصر إلى دعم تركي في مواجهة التحديات المائية مع إثيوبيا.

اقتصادياً، تفتح هذه التدريبات الباب أمام شراكات أوسع في مجال الصناعات الدفاعية، حيث تمتلك تركيا قاعدة تصنيع عسكري متطورة يمكن أن تفيد مصر في تحديث أسطولها الجوي. كما أن التعاون العسكري يعزز الثقة المتبادلة، مما قد ينعكس إيجاباً على التبادل التجاري الذي بلغ 6 مليارات دولار سنوياً.

سياسياً، يغير هذا التقارب شكل المحاور الإقليمية. فبعد أن كانت مصر تعتمد على التحالف مع الإمارات والسعودية، ومع اليونان وقبرص، أصبحت الآن تمد جسوراً مع تركيا، مما قد يقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ويخلق توازناً جديداً أمام التوسع التركي في ليبيا وسوريا.

لكن التحذير الأكبر يأتي من أن هذا التقارب لم يُختبر بعد على أرض الواقع في القضايا الخلافية. ففي ليبيا، لا يزال البلدان يدعمان حكومتين متنافستين، وفي شرق المتوسط، لم تحل الخلافات حول مناطق الصلاحية البحرية. إذا لم يتم حل هذه الملفات، فقد يظل التعاون العسكري هشاً وقابلاً للانهيار.

توقعاتي للمستقبل: سيتوسع التعاون ليشمل مناورات برية وبحرية أكبر خلال العام القادم، وقد نرى تنسيقاً في الملف السوري لمكافحة الإرهاب. لكن الطريق طويل نحو تحالف استراتيجي كامل، وسيظل الملف الليبي حجر الزاوية الذي يحدد مدى نجاح هذا التقارب.

في المحصلة، ما نشهده اليوم هو إعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط، حيث تتغير الأولويات وتتبدل التحالفات. مصر وتركيا تختاران المصالح المشتركة فوق الخلافات الأيديولوجية، وهذا درس يجب أن يستفيد منه الجميع.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →