في زمن كانت فيه التلفزة الأميركية تغرق في البرامج الترفيهية الخفيفة، جاء عمل 'المكعب' للمخرج جيم هنسون ليقلب المعادلة. هذا المسلسل الذي بُث عام 1969 ضمن سلسلة 'تجربة في التلفزيون' على شبكة إن بي سي، استمر 53 دقيقة فقط، لكنه ترك أثراً عميقاً في تاريخ الدراما التلفزيونية.
تدور أحداث 'المكعب' حول رجل يستيقظ ليجد نفسه محاصراً داخل غرفة مكعبة الشكل، بلا أبواب أو نوافذ واضحة. يحاول فهم المكان الذي يحتجزه، وتأتي إليه شخصيات غريبة تقدم تفسيرات متناقضة، لكن لا أحد يقدم له مخرجاً حقيقياً. العمل بأكمله يخلو من الدمى أو الشخصيات الكرتونية التي اشتهر بها هنسون، وهو ما يجعله تجربة فريدة في مسيرته.
قدم هنسون من خلال 'المكعب' نقداً لاذعاً للبيروقراطية والاغتراب في المجتمع الحديث، مستخدماً حبسة مكانية ضيقة لتجسيد الضياع الوجودي. النص الذي كتبه هنسون نفسه، يعتمد على الحوار الفلسفي أكثر من الحركة، مما جعله أشبه بمسرحية عبثية على طريقة صمويل بيكيت.
ورغم أن العمل لم يحظ بجمهور واسع وقت عرضه، إلا أن النقاد أعادوا اكتشافه في العقود الأخيرة، معتبرين إياه سابقاً لأعمال مثل 'المرآة السوداء' و'المنطقة الصحراوية'. الطابع الكابوسي والتساؤلات حول السيطرة والمراقبة تجعل منه عملاً رائداً في الخيال العلمي الفلسفي.
المسلسل متاح حالياً على منصة يوتيوب وبعض الأرشيفات الرقمية، لكنه لا يزال أقل أعمال هنسون شهرة. ومع ذلك، فإن تأثيره يمتد إلى أعمال كثيرة لاحقة، سواء في التلفزيون أو السينما، حيث تكرر فكرة الحبس المكاني كاستعارة عن القيود الاجتماعية والنفسية.
يذكر أن جيم هنسون اشتهر بخلق شخصيات 'الدمى' مثل كيرميت الضفدع وميس بيغي، لكن 'المكعب' يظهر جانبه الآخر كفنان جاد يبحث في أعماق النفس البشرية. العمل اليوم يعد وثيقة مهمة عن مرحلة التحول في التلفزيون الأميركي، حيث بدأت التجارب الجريئة تظهر على الشاشة الصغيرة.
