في أحدث مشاريعه الفوتوغرافية، يقدم المصور الوثائقي الشهير مارتن باري صورة حية ونابضة بالحياة لقرية ويست كينيت في مقاطعة ويلتشير بجنوب غرب إنجلترا. تعكس الصور التي التقطها باري خلال الأشهر الماضية جوانب متعددة من الحياة اليومية في هذه القرية الصغيرة، من الأسواق المحلية والمقاهي إلى الحقول الخضراء والمنازل الريفية التقليدية.
تأتي هذه السلسلة ضمن تكليف من متحف الفن الحديث في لندن، حيث أراد القائمون على المتحف توثيق الحياة في الريف البريطاني قبل أن تختفي معالمها التقليدية تحت وطأة التغيرات المعاصرة. ويتميز أسلوب باري، المعروف بألوانه الزاهية وزواياه غير التقليدية، بقدرته على التقاط التفاصيل الدقيقة التي تعكس روح المكان وسكانه.
تظهر الصور مزيجاً من القديم والجديد: مزارعون يستخدمون الجرارات الحديثة بجانب حقول يعود تاريخ زراعتها إلى قرون، وسكان يتسوقون في متجر القرية الذي لا يزال يحتفظ بطابعه التقليدي، إلى جانب مقاهٍ عصرية تقدم القهوة المتخصصة. كما توثق الصور فعاليات اجتماعية مثل مهرجان الحصاد السنوي واجتماعات النادي النسائي المحلي، مما يعطي لمحة عن التماسك الاجتماعي في هذه المجتمعات الصغيرة.
يقول باري في تصريحات له: "أردت أن أصور الحياة كما هي، دون تجميل أو مبالغة. هذه القرية تمثل نموذجاً مصغراً للتحولات التي تمر بها بريطانيا الريفية اليوم". ويضيف: "هناك توتر خفي بين الرغبة في الحفاظ على التقاليد وضرورة مواكبة العصر، وهذا ما حاولت إظهاره من خلال عدستي".
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد سكان ويست كينيت يبلغ حوالي 1500 نسمة، مع تزايد أعداد الوافدين الجدد من المدن القريبة مثل بريستول وبات، مما يغير التركيبة السكانية التقليدية. ويلاحظ باري أن هذا التدفق السكاني ينعكس على نمط الحياة: بارتفاع أسعار المساكن، وظهور متاجر ومطاعم جديدة تستهدف الوافدين.
وتعد هذه السلسلة من آخر أعمال باري قبل تقاعده المخطط له، حيث يُعتبر أحد أبرز المصورين الوثائقيين في بريطانيا على مدى العقود الأربعة الماضية. وقد اشتهر بتوثيقه للحياة اليومية في بريطانيا منذ الثمانينيات، مع تركيز خاص على الطقوس الاجتماعية والاستهلاكية.
من المتوقع أن تُعرض الصور في معرض خاص بمتحف الفن الحديث في لندن بداية العام المقبل، كما ستصدر في كتاب يضم أكثر من 200 صورة مع تعليقات تحليلية للمؤرخين الاجتماعيين. ويأمل القائمون على المعرض أن تثير الصور نقاشاً حول مستقبل الريف البريطاني في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية.
وتظهر الصور أيضاً تأثير جائحة كورونا على الحياة في القرية، حيث يوثق باري مشاهد من الإغلاق العام، مثل الطوابير أمام متجر القرية والعلامات الإرشادية للتباعد الاجتماعي. كما التقط صوراً لسكان يعملون من المنزل، وهو مشهد أصبح مألوفاً في الريف البريطاني بعد الجائحة.
ويشير النقاد إلى أن أعمال باري تتميز بقدرتها على المزج بين التوثيق الاجتماعي والفن البصري، مما يجعلها مرجعاً مهماً للباحثين في علم الاجتماع والتاريخ المعاصر. وتعد هذه السلسلة إضافة نوعية إلى مسيرته الفنية الحافلة بالجوائز.
