منوعات

مارتن باري يوثق حياة القرية البريطانية في آخر أعماله الفوتوغرافية

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٩ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٢:٠٣ ص4 دقائق قراءة
مارتن باري يوثق حياة القرية البريطانية في آخر أعماله الفوتوغرافية

يستعرض المصور الوثائقي مارتن باري في سلسلته الأخيرة تفاصيل الحياة اليومية في قرية ويست كينيت بولاية ويلتشير البريطانية، مسلطاً الضوء على التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المجتمعات الريفية.

في أحدث مشاريعه الفوتوغرافية، يقدم المصور الوثائقي الشهير مارتن باري صورة حية ونابضة بالحياة لقرية ويست كينيت في مقاطعة ويلتشير بجنوب غرب إنجلترا. تعكس الصور التي التقطها باري خلال الأشهر الماضية جوانب متعددة من الحياة اليومية في هذه القرية الصغيرة، من الأسواق المحلية والمقاهي إلى الحقول الخضراء والمنازل الريفية التقليدية.

تأتي هذه السلسلة ضمن تكليف من متحف الفن الحديث في لندن، حيث أراد القائمون على المتحف توثيق الحياة في الريف البريطاني قبل أن تختفي معالمها التقليدية تحت وطأة التغيرات المعاصرة. ويتميز أسلوب باري، المعروف بألوانه الزاهية وزواياه غير التقليدية، بقدرته على التقاط التفاصيل الدقيقة التي تعكس روح المكان وسكانه.

تظهر الصور مزيجاً من القديم والجديد: مزارعون يستخدمون الجرارات الحديثة بجانب حقول يعود تاريخ زراعتها إلى قرون، وسكان يتسوقون في متجر القرية الذي لا يزال يحتفظ بطابعه التقليدي، إلى جانب مقاهٍ عصرية تقدم القهوة المتخصصة. كما توثق الصور فعاليات اجتماعية مثل مهرجان الحصاد السنوي واجتماعات النادي النسائي المحلي، مما يعطي لمحة عن التماسك الاجتماعي في هذه المجتمعات الصغيرة.

يقول باري في تصريحات له: "أردت أن أصور الحياة كما هي، دون تجميل أو مبالغة. هذه القرية تمثل نموذجاً مصغراً للتحولات التي تمر بها بريطانيا الريفية اليوم". ويضيف: "هناك توتر خفي بين الرغبة في الحفاظ على التقاليد وضرورة مواكبة العصر، وهذا ما حاولت إظهاره من خلال عدستي".

وتشير الإحصاءات إلى أن عدد سكان ويست كينيت يبلغ حوالي 1500 نسمة، مع تزايد أعداد الوافدين الجدد من المدن القريبة مثل بريستول وبات، مما يغير التركيبة السكانية التقليدية. ويلاحظ باري أن هذا التدفق السكاني ينعكس على نمط الحياة: بارتفاع أسعار المساكن، وظهور متاجر ومطاعم جديدة تستهدف الوافدين.

وتعد هذه السلسلة من آخر أعمال باري قبل تقاعده المخطط له، حيث يُعتبر أحد أبرز المصورين الوثائقيين في بريطانيا على مدى العقود الأربعة الماضية. وقد اشتهر بتوثيقه للحياة اليومية في بريطانيا منذ الثمانينيات، مع تركيز خاص على الطقوس الاجتماعية والاستهلاكية.

من المتوقع أن تُعرض الصور في معرض خاص بمتحف الفن الحديث في لندن بداية العام المقبل، كما ستصدر في كتاب يضم أكثر من 200 صورة مع تعليقات تحليلية للمؤرخين الاجتماعيين. ويأمل القائمون على المعرض أن تثير الصور نقاشاً حول مستقبل الريف البريطاني في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية.

وتظهر الصور أيضاً تأثير جائحة كورونا على الحياة في القرية، حيث يوثق باري مشاهد من الإغلاق العام، مثل الطوابير أمام متجر القرية والعلامات الإرشادية للتباعد الاجتماعي. كما التقط صوراً لسكان يعملون من المنزل، وهو مشهد أصبح مألوفاً في الريف البريطاني بعد الجائحة.

ويشير النقاد إلى أن أعمال باري تتميز بقدرتها على المزج بين التوثيق الاجتماعي والفن البصري، مما يجعلها مرجعاً مهماً للباحثين في علم الاجتماع والتاريخ المعاصر. وتعد هذه السلسلة إضافة نوعية إلى مسيرته الفنية الحافلة بالجوائز.

رأي ستاف كوانتم

تأتي سلسلة مارتن باري الأخيرة في وقت حاسم يشهد فيه الريف البريطاني تحولات جذرية، ليس فقط على المستوى الاقتصادي ولكن أيضاً على المستوى الاجتماعي والهوياتي. فمنذ عقود، كانت القرى البريطانية تُعتبر معقلاً للتقاليد والبطء، لكن العولمة والتوسع الحضري فرضا عليها وتيرة جديدة من التغيير.

ما يميز عمل باري هو قدرته على التقاط لحظات عابرة تحمل في طياتها قصصاً أعمق. فصورة مزارع يستخدم هاتفاً ذكياً في حقل قديم، أو طفل يلعب بلعبة إلكترونية في ساحة القرية، تروي حكاية التصادم بين الماضي والحاضر. وهذا التصادم ليس مجرد مشهد بصري، بل يعكس صراعاً قيماً بين الحفاظ على التراث والانفتاح على الحداثة.

من الناحية الاقتصادية، تواجه القرى البريطانية تحديات كبيرة: ارتفاع تكاليف السكن يدفع الشباب إلى المغادرة، بينما يجذب الهدوء والطبيعة أثرياء المدن للانتقال إليها، مما يخلق فجوة اجتماعية. كما أن تراجع الخدمات العامة مثل مكاتب البريد والحانات المحلية يضعف النسيج الاجتماعي. باري يوثق هذه الظواهر دون إصدار أحكام، تاركاً للمشاهد استخلاص الدروس.

على المستوى السياسي، كان الريف البريطاني مسرحاً لانقسامات حادة خلال استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث صوتت غالبية القرى لصالح الخروج، مما يعكس شعوراً بالتهميش من قبل النخب الحضرية. صور باري قد تكون مادة خام لتحليل هذه الانقسامات، إذ تظهر فئات عمرية واجتماعية مختلفة تتفاعل مع التغيير بطرق متباينة.

مستقبلاً، من المتوقع أن تستمر هذه التحولات، خاصة مع تسارع العمل عن بعد والتحول الرقمي. قد تصبح القرى ملاذاً للعاملين في التكنولوجيا، مما يزيد الضغط على البنية التحتية والموارد. أعمال باري ستكون وثيقة تاريخية مهمة للأجيال القادمة لفهم كيف بدت الحياة الريفية في مطلع القرن الحادي والعشرين.

ما يثير الإعجاب في منهجية باري هو تجنبه النوستالجيا الساذجة. لا يصور الريف كجنة مفقودة، بل يظهره بواقعيته القاسية أحياناً: الطرق الموحلة، المباني المتهالكة، الوحدة. هذه الصدقية هي ما يجعل أعماله خالدة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من منوعات

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →