في تحذير هو الأكثر صرامة من نوعه هذا العام، كشف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، عن تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة مبكرة في قارة أوروبا خلال أسبوع واحد فقط، مرتبطة مباشرة بارتفاع درجات الحرارة القياسي الذي تشهده المنطقة. وأطلق تيدروس على هذه الظاهرة وصف "القاتل الهادئ"، في إشارة إلى أن الحرارة الشديدة تقتل بصمت دون أن تترك وراءها ندوباً مرئية كالأعاصير أو الفيضانات.
الأرقام الجديدة كشفت عنها المنظمة خلال مؤتمر صحفي عُقد في جنيف، حيث أوضح تيدروس أن هذه الوفيات كانت نتيجة لموجة حر امتدت من شمال أوروبا إلى جنوبها، متجاوزة في شدتها كل السجلات السابقة. وأضاف أن غالبية الضحايا كانوا من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، الذين يعانون من صعوبة في التكيف مع الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة.
وتشير البيانات الأولية إلى أن الموجة الحالية تضرب بقوة في دول مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، حيث تجاوزت الحرارة 45 درجة مئوية في بعض المناطق. وهذا ليس حدثاً استثنائياً فحسب، بل هو جزء من نمط متصاعد من موجات الحر التي أصبحت أكثر تواتراً وشدة بفعل تغير المناخ.
منظمة الصحة العالمية دعت الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل إنشاء مراكز تبريد عامة، وتوفير المياه النظيفة في الأماكن المزدحمة، وإطلاق حملات توعية حول مخاطر الإجهاد الحراري. كما شددت على أهمية مراقبة الفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل المشردين والعمال في الهواء الطلق.
الخبراء في مجال الصحة العامة يحذرون من أن الوضع قد يتفاقم في الأسابيع المقبلة، مع توقعات باستمرار درجات الحرارة المرتفعة في العديد من مناطق القارة. ويشيرون إلى أن أوروبا، التي اعتادت على مناخ معتدل، أصبحت الآن في مرمى نيران التغير المناخي، مما يتطلب استراتيجية تكيف شاملة.
هذا الإعلان يأتي في وقت تتصارع فيه الحكومات الأوروبية مع تحديات متعددة، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، يرى مراقبون أن التكيف مع الحرارة الشديدة يجب أن يكون أولوية، لأن الإهمال قد يكلف آلاف الأرواح سنوياً.
منظمة الصحة العالمية لم تكتفِ بالتحذير، بل قدمت توصيات عملية للحد من الوفيات، منها تعديل ساعات العمل في القطاعات الأكثر تضرراً، وتحسين العزل الحراري للمباني، وزيادة المساحات الخضراء في المدن. كما دعت إلى تعزيز التعاون بين الدول الأوروبية لتبادل الخبرات والموارد في مواجهة هذه الأزمة.
في الختام، يبدو أن أوروبا تواجه اختباراً صعباً في قدرتها على حماية مواطنيها من تداعيات تغير المناخ. ومع ارتفاع حدة موجات الحر، يصبح السؤال الملح: هل ستتخذ الحكومات إجراءات كافية قبل أن يتحول "القاتل الهادئ" إلى جائحة حقيقية؟
