في كتابها المعنون "كل ما خسرت"، تتأمل الكاتبة والصحفية دلال معوض في محاولتها لملمة الذات والذاكرة، فتصل إلى خلاصة مؤلمة: التاريخ العربي والغربي على السواء قلما كتبته امرأة. التاريخ، كما تقول، يُكتب من منظار الرجال، في حين أن للنساء أدواراً أساسية في مجرى الأحداث لا تُروى. وتستدرك: لا ندرك بالفعل دور المرأة في التاريخ اللبناني القديم والحديث لأن المرأة لم تدون، أو لأن تدوينها لم يجد من ينشره أو يوثقه.
تذكر معوض في سياق حديثها عن الكتابات النسائية اسم فادية المليح حلواني، لكنها تفتح الباب أمام شخصيات نسائية أخرى كان لها أثر بالغ في الحراك الفكري والوطني في لبنان والعالم العربي. ومن بين هذه الأسماء، تبرز زاهية مصطفى قدورة، التي تعد واحدة من رائدات الفاعلية العروبية النسائية في لبنان. قدورة، التي نشأت في بيئة وطنية مثقفة، كرست حياتها للدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وللمطالبة بحقوق المرأة في المشاركة السياسية والاجتماعية.
تؤكد معوض أن إهمال توثيق دور النساء في التاريخ ليس مجرد هفوة، بل هو تشويه متعمد للذاكرة الجمعية. فالمرأة اللبنانية، منذ أوائل القرن العشرين، كانت حاضرة في المظاهرات والجمعيات والأحزاب، وفي صياغة البيانات الوطنية. لكن كتب التاريخ المدرسية والمراجع الأكاديمية تخلو تقريباً من أسمائهن. وتشير الكاتبة إلى أن هذه الفجوة تبدأ من المناهج التعليمية التي لا تزال تقدم سردية ذكورية أحادية الجانب، وتستمر في وسائل الإعلام التي نادراً ما تستضيف مؤرخات أو محللات سياسيات.
وتنتقد معوض أيضاً واقع المكتبة العربية التي تفتقر إلى ترجمات للأعمال النسوية الغربية التي تناولت تاريخ النساء من منظور نقدي. وتدعو إلى ضرورة إنشاء أرشيف وطني للنساء الرائدات، يشمل وثائقهن الشخصية ومذكراتهن وصورهن، على غرار ما تفعله بعض الجامعات الغربية. وتقول: "إذا لم نكتب تاريخنا بأنفسنا، فسيواصل الآخرون كتابته عنا، وسنظل هامشاً في هوامش السردية الكبرى".
وتختتم الكاتبة برسالة أمل: إن الموجة الجديدة من الكاتبات والباحثات اللبنانيات بدأت تعيد اكتشاف هذه الشخصيات، وتعيد كتابة التاريخ من أسفل، أي من وجهة نظر النساء والفئات المهمشة. وهذا، برأيها، هو الطريق الوحيد لتاريخ أكثر إنصافاً وعدالة.
