دولي

من الإهمال إلى الاعتراف: التاريخ النسائي اللبناني ينتزع مكانته من ذاكرة الرجال

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٧ م3 دقائق قراءة
من الإهمال إلى الاعتراف: التاريخ النسائي اللبناني ينتزع مكانته من ذاكرة الرجال

تسلط الكاتبة دلال معوض الضوء على تغييب النساء عن كتابة التاريخ، وتستعرض دور رائدات مثل زاهية مصطفى قدورة في النضال العروبي اللبناني. التحليل يدعو إلى إعادة قراءة التاريخ من منظور نسوي شامل.

في كتابها المعنون "كل ما خسرت"، تتأمل الكاتبة والصحفية دلال معوض في محاولتها لملمة الذات والذاكرة، فتصل إلى خلاصة مؤلمة: التاريخ العربي والغربي على السواء قلما كتبته امرأة. التاريخ، كما تقول، يُكتب من منظار الرجال، في حين أن للنساء أدواراً أساسية في مجرى الأحداث لا تُروى. وتستدرك: لا ندرك بالفعل دور المرأة في التاريخ اللبناني القديم والحديث لأن المرأة لم تدون، أو لأن تدوينها لم يجد من ينشره أو يوثقه.

تذكر معوض في سياق حديثها عن الكتابات النسائية اسم فادية المليح حلواني، لكنها تفتح الباب أمام شخصيات نسائية أخرى كان لها أثر بالغ في الحراك الفكري والوطني في لبنان والعالم العربي. ومن بين هذه الأسماء، تبرز زاهية مصطفى قدورة، التي تعد واحدة من رائدات الفاعلية العروبية النسائية في لبنان. قدورة، التي نشأت في بيئة وطنية مثقفة، كرست حياتها للدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وللمطالبة بحقوق المرأة في المشاركة السياسية والاجتماعية.

تؤكد معوض أن إهمال توثيق دور النساء في التاريخ ليس مجرد هفوة، بل هو تشويه متعمد للذاكرة الجمعية. فالمرأة اللبنانية، منذ أوائل القرن العشرين، كانت حاضرة في المظاهرات والجمعيات والأحزاب، وفي صياغة البيانات الوطنية. لكن كتب التاريخ المدرسية والمراجع الأكاديمية تخلو تقريباً من أسمائهن. وتشير الكاتبة إلى أن هذه الفجوة تبدأ من المناهج التعليمية التي لا تزال تقدم سردية ذكورية أحادية الجانب، وتستمر في وسائل الإعلام التي نادراً ما تستضيف مؤرخات أو محللات سياسيات.

وتنتقد معوض أيضاً واقع المكتبة العربية التي تفتقر إلى ترجمات للأعمال النسوية الغربية التي تناولت تاريخ النساء من منظور نقدي. وتدعو إلى ضرورة إنشاء أرشيف وطني للنساء الرائدات، يشمل وثائقهن الشخصية ومذكراتهن وصورهن، على غرار ما تفعله بعض الجامعات الغربية. وتقول: "إذا لم نكتب تاريخنا بأنفسنا، فسيواصل الآخرون كتابته عنا، وسنظل هامشاً في هوامش السردية الكبرى".

وتختتم الكاتبة برسالة أمل: إن الموجة الجديدة من الكاتبات والباحثات اللبنانيات بدأت تعيد اكتشاف هذه الشخصيات، وتعيد كتابة التاريخ من أسفل، أي من وجهة نظر النساء والفئات المهمشة. وهذا، برأيها، هو الطريق الوحيد لتاريخ أكثر إنصافاً وعدالة.

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

لطالما كان التاريخ حكراً على المنتصرين، وفي العالم العربي، كان المنتصر دائماً هو الرجل. كتاب دلال معوض "كل ما خسرت" ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو بيان سياسي يدعو إلى إعادة النظر في أسس كتابة التاريخ العربي الحديث. فالتغييب المنهجي للنساء من السردية التاريخية ليس صدفة، بل هو نتاج بنية أبوية متجذرة تسعى إلى تهميش دور النساء في الفضاء العام.

زاهية مصطفى قدورة، التي تذكرها معوض، ليست حالة فريدة بل هي نموذج لآلاف النساء اللواتي ساهمن في الحراك الوطني والقومي في لبنان والعالم العربي. من نازك العابد إلى وداد مقدسي، ومن أنيسة نجار إلى لور مغيزل، هن نساء قادمن مظاهرات، وأسسن جمعيات، وكتبن بيانات، وسجن، ونفين، لكن أسماءهن غائبة عن كتب التاريخ.

هذا الإهمال له تكلفة سياسية واجتماعية باهظة. فغياب النماذج النسائية التاريخية يحرم الأجيال الجديدة من قدوات تلهمها، ويحصر الطموح السياسي للفتيات في إطار ضيق. كما أنه يعزز فكرة أن السياسة والعمل العام حكر على الرجال، مما يضعف المشاركة النسائية في الحياة العامة.

إن واجب المؤسسات الثقافية والإعلامية اليوم هو تصحيح هذا الخلل. لا يكفي أن ننشر مقالات عن النساء الرائدات في مناسبات عابرة، بل يجب أن ندمج سيرتهن في المناهج الدراسية، وفي الأفلام الوثائقية، وفي قواعد البيانات الرقمية. كما أن على دور النشر العربية أن تولي اهتماماً أكبر بنشر مذكرات النساء وكتاباتهن، وأن تشجع الباحثات على توثيق تاريخ النساء.

وأخيراً، إن إعادة كتابة التاريخ من منظور نسوي ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة سياسية لبناء مجتمع أكثر عدلاً وديمقراطية. فتاريخ لا يرى نصف المجتمع هو تاريخ مشوه، ومستقبل لا يشارك فيه النساء هو مستقبل ناقص.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من دولي

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →