في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتداخل فيه الهويات، يطرح الباحث المغربي سعيد بنيس في كتابه الصادر حديثاً بعنوان 'نيوتمغربيت' إشكالية جوهرية: كيف يتغير مفهوم 'تمغربيت' - أي الهوية المغربية - تحت تأثير الفضاء الرقمي؟ وهل تعزز وسائل التواصل هذه الهوية أم تعيد تشكيلها بشكل جذري؟
الكتاب، الذي جاء في سياق نقاشات مع الإعلامي وسيم الأحمر، ينطلق من سؤال بسيط في ظاهره: ما معنى 'تمغربيت'؟ لكنه سرعان ما يتعمق في تاريخ هذا المفهوم، الذي يعود جذوره إلى اللغة الأمازيغية، حيث 'تمغربيت' تعني 'المغربية' أو 'الانتماء للمغرب'. لكن المعنى لم يبقَ جامداً، بل تطور عبر العصور ليعكس تنوعاً ثقافياً ولغوياً ودينياً.
في العصر الرقمي، تتحول الهوية إلى مساحة مفتوحة للنقاش وإعادة الإنتاج. فوسائل التواصل الاجتماعي تتيح للمغاربة، خاصة الشباب، التعبير عن هويتهم بطرق جديدة، تتراوح بين الفخر بالتراث وإعادة ابتكاره، وبين الانفتاح على العالم. لكن هذا الانفتاح يحمل أيضاً مخاطر التماهي مع ثقافات أخرى قد تضعف الخصوصية.
بنيس يحلل في كتابه كيف أن 'نيوتمغربيت' ليست مجرد امتداد للمفهوم القديم، بل هي إعادة بناء له في سياق العولمة. فالهوية اليوم لم تعد مجرد ميراث ثابت، بل هي عملية مستمرة من التفاوض بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي.
ويطرح الكتاب أسئلة حساسة: هل الفضاء الرقمي يعزز الانتماء الوطني أم يخلق هويات افتراضية منفصلة عن الواقع؟ كيف يتعامل المغاربة مع ازدواجية اللغة - بين العربية والأمازيغية والفرنسية - في التعبير عن هويتهم؟ وما دور الدين في هذه المعادلة؟
هذه الأسئلة ليست نظرية فقط، بل لها انعكاسات عملية على السياسات الثقافية والتعليمية في المغرب. فالحفاظ على الهوية في عصر العولمة يتطلب استراتيجيات جديدة تتجاوز الخطاب التقليدي.
الكتاب يقدم أيضاً قراءة في كيفية استخدام الهوية كأداة للسياسة والاقتصاد. ففي زمن الأزمات، غالباً ما يتم توظيف 'تمغربيت' في الخطابات السياسية لتعزيز التماسك الاجتماعي، لكن في المقابل، يمكن أن تتحول إلى أداة إقصاء للآخر.
بنيس يدعو إلى فهم 'نيوتمغربيت' كإطار مرن يحتضن التنوع، بدلاً من أن يكون قالباً جامداً يفرض التجانس. وفي هذا السياق، يبرز دور وسائل الإعلام والتعليم في تشكيل وعي الهوية.
الكتاب يثير نقاشاً مهماً حول مستقبل الهوية المغربية في عالم متغير، ويدعو إلى تجديد الخطاب حول الانتماء بما يتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين.
