في تصريحات هي الأحدث ضمن سلسلة تحذيرات روسية متصاعدة، أكد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف أن الغرب يسعى إلى تحويل أرمينيا إلى أداة جيوسياسية في مواجهة موسكو، مشيراً إلى محاولات ممنهجة لإقصاء القوى السياسية الأرمينية التي تتمسك بإقامة علاقات متوازنة مع روسيا.
جاءت تصريحات مدفيديف في خضم تحولات دراماتيكية تشهدها منطقة القوقاز، حيث تتزايد الضغوط الغربية على يريفان للابتعاد عن موسكو والانفتاح على حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه التطورات متزامنة مع تفاقم الأزمة الإنسانية في ناغورنو قره باغ، حيث لا يزال آلاف اللاجئين الأرمن نازحين بعد العملية العسكرية الأذربيجانية التي نفذتها العام الماضي.
ويرى مراقبون أن التصريحات الروسية تعكس قلقاً عميقاً من فقدان النفوذ في منطقة كانت تعتبر تقليدياً جزءاً من مجالها الحيوي. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، حافظت روسيا على وجود عسكري كبير في أرمينيا عبر قاعدتها في غيومري، كما ظلت موسكو الضامن الأمني الرئيسي ليريفان في مواجهة جيرانها.
لكن العلاقات بين البلدين بدأت تتدهور بشكل ملحوظ بعد وصول حكومة نيكول باشينيان إلى السلطة في عام 2018، حيث اتجهت يريفان نحو سياسة خارجية أكثر توازناً، محاولة تنويع شراكاتها الدولية. وتفاقم الوضع بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث رفضت أرمينيا الانضمام إلى العقوبات الغربية ضد روسيا، لكنها في الوقت نفسه سعت إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من التحركات الدبلوماسية اللافتة، من بينها استضافة يريفان لمناورات عسكرية مشتركة مع القوات الأمريكية، وهو ما أثار حفيظة موسكو التي اعتبرتها خطوة غير ودية. كما أعلنت أرمينيا مؤخراً عن رغبتها في الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، رغم تحذيرات روسيا من أن هذه الخطوة قد تؤثر سلباً على العلاقات الثنائية.
وتأتي تحذيرات مدفيديف في وقت تشهد فيه منطقة القوقاز إعادة ترتيب للأولويات الجيوسياسية، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تعزيز وجودها في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تعتبر ممراً حيوياً لنقل الطاقة من بحر قزوين إلى أوروبا. وتتنافس روسيا والغرب على كسب النفوذ في أرمينيا، التي تمثل نقطة ارتكاز مهمة في التوازنات الإقليمية.
من جانبه، يرى المحللون أن تصريحات مدفيديف تحمل أكثر من رسالة: فهي موجهة أولاً إلى صناع القرار في يريفان لتحذيرهم من مغبة الانجراف وراء السياسات الغربية، وثانياً إلى القوى السياسية الأرمينية الموالية لروسيا لدعمها في مواجهة التيار الغربي، وثالثاً إلى المجتمع الدولي لتذكيره بأن القوقاز لا تزال ساحة نفوذ روسي.
وفي هذا السياق، تشير المصادر إلى أن موسكو قد تلجأ إلى أدوات ضغط متعددة للحفاظ على نفوذها في أرمينيا، من بينها استخدام ورقة ملف ناغورنو قره باغ، والاستفادة من العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين البلدين، خاصة في قطاعي الطاقة والتحويلات المالية.
لكن في المقابل، تبدو يريفان مصممة على مواصلة سياسة التنويع، مدفوعة بخيبة أمل من الدور الروسي في نزاع ناغورنو قره باغ، حيث فشلت موسكو في منع أذربيجان من استعادة السيطرة على الإقليم. كما أن التنسيق الأمني مع الغرب أصبح ضرورياً لتعزيز قدرات أرمينيا الدفاعية في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة.
ويبقى السؤال الأهم: كيف ستتطور العلاقات الروسية الأرمينية في المرحلة المقبلة؟ وهل ستنجح موسكو في احتواء التوجه الغربي ليريفان، أم أن المنطقة تشهد تحولاً استراتيجياً طويل الأمد؟
