في تقدم علمي لافت، كشف باحثون في معهد الفيزياء التطبيقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية عن تصميم جديد لضاغط بصري يمكنه مضاعفة قدرة أنظمة الليزر فائقة القوة، خاصة تلك العاملة في نطاق البيتاواط. هذا الابتكار، الذي طُور لاستخدامه في ليزر الفيمتوثانية، يمثل نقلة نوعية في مجال البصريات الكمية والتفاعلات فائقة السرعة.
يعتمد التصميم الجديد على تقنية مبتكرة تضغط نبضات الليزر إلى أبعاد زمنية أقصر بكثير، مما يسمح بتركيز طاقة هائلة في زمن متناهٍ في الصغر. وقد نجح الفريق البحثي في تحقيق مضاعفة لقدرة النظام دون زيادة حجمه أو استهلاكه للطاقة، وهو إنجاز يفتح الباب أمام تطبيقات جديدة في مجالات متعددة مثل الاندماج النووي، وتسريع الجسيمات، والمعالجة الطبية الدقيقة.
من الناحية التقنية، يعمل الليزر البيتاواطي بتوليد نبضات ضوئية شديدة القصر، تُقاس بالفيمتوثانية (واحدة على مليون مليار من الثانية). وتكمن أهمية هذا الليزر في قدرته على إحداث تفاعلات غير خطية مع المادة، مما يسمح بدراسة ظواهر فيزيائية أساسية لم تكن ممكنة من قبل. ويأتي هذا التطوير في إطار سباق دولي محموم لتحقيق قدرات ليزرية تفوق البيتاواط، حيث تتنافس مختبرات في الولايات المتحدة وأوروبا والصين لتحقيق أرقام قياسية جديدة.
وتشير التقديرات إلى أن هذا التصميم قد يُمهد الطريق لبناء أنظمة ليزر بقدرة 100 بيتاواط أو أكثر في المستقبل القريب، وهو ما قد يُحدث ثورة في مجال توليد الطاقة عبر الاندماج النووي، حيث يُستخدم الليزر لضغط كريات الوقود الاندماجي. كما أن التطبيقات الطبية واعدة، ولا سيما في علاج الأورام السرطانية بدقة متناهية دون الإضرار بالأنسجة السليمة.
وتعمل أكاديمية العلوم الروسية حالياً على تطوير نموذج أولي من الضاغط الجديد، مع خطط لاختباره في منشآت الليزر الكبرى بحلول العام المقبل. ويأتي هذا الإنجاز في سياق استثمار روسي متزايد في مجال التقنيات الكمية، حيث تسعى موسكو إلى تعزيز مكانتها في هذا المجال الحيوي.
وفي تعليقه على هذا الابتكار، أكد رئيس فريق البحث أن التصميم الجديد يعتمد على مبادئ فيزيائية راسخة لكنه يطبقها بطريقة غير مسبوقة، مما يتجاوز قيود التصاميم السابقة. وأشار إلى أن الفريق يعمل الآن على تحسين كفاءة النظام لتمكين استخدامه في التطبيقات الصناعية والتجارية.
هذا التطور يأتي في وقت تشهد فيه أبحاث الليزر فائق القدرة طفرة عالمية، حيث أعلنت دول عدة عن خطط لبناء منشآت ليزر عملاقة. وتلعب هذه الأنظمة دوراً محورياً في الأبحاث الأساسية حول المادة والطاقة، وتطبيقاتها تمتد من علوم المواد إلى الأمن القومي.
من الجدير بالذكر أن ليزر الفيمتوثانية يستخدم حالياً في العديد من التطبيقات اليومية، مثل جراحة العيون بالليزر وتصنيع المكونات الإلكترونية الدقيقة. لكن مضاعفة قدرته قد تفتح آفاقاً جديدة تماماً، لا سيما في مجال الحوسبة الكمية والاتصالات فائقة السرعة.
ويبقى السؤال حول مدى سرعة تحويل هذا الابتكار المخبري إلى تكنولوجيا تجارية متاحة، وهو ما يتطلب تعاوناً بين المؤسسات البحثية والصناعية. ومع ذلك، فإن التأثير المحتمل لهذا التصميم على مستقبل الطاقة والطب والصناعة يجعل منه واحداً من أهم التطورات العلمية في السنوات الأخيرة.
