سياسة

الصين تتمسك بالعقيدة النووية الدفاعية رغم تقديرات غربية بتوسع الترسانة

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٧ ص5 دقائق قراءة
الصين تتمسك بالعقيدة النووية الدفاعية رغم تقديرات غربية بتوسع الترسانة

تؤكد الصين أن برنامجها النووي يهدف إلى الحد الأدنى من الردع الدفاعي، لكن تقديرات غربية ترى توسعاً سريعاً في ترسانتها النووية وتحديثاً للقدرات، مما يثير تساؤلات حول نوايا بكين الاستراتيجية في ظل سباق تسلح إقليمي.

في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تواصل الصين التمسك بخطابها الرسمي حول عقيدتها النووية الذي يصفها بأنها دفاعية بحتة وتقتصر على الحد الأدنى اللازم للأمن القومي. هذا الموقف الذي تكرره بكين في المحافل الدولية يواجه تحدياً متزايداً من تقديرات استخباراتية وعسكرية غربية تشير إلى أن الصين تعمل على توسيع ترسانتها النووية بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

وفقاً لتقارير متعددة صادرة عن مراكز بحثية ووكالات استخباراتية، يُقدر أن الصين تمتلك حالياً ما بين 400 إلى 500 رأس نووي، مع توقعات بأن يصل العدد إلى 1000 رأس بحلول نهاية العقد الحالي. وتشير هذه التقديرات إلى أن بكين تعمل على تطوير أنظمة إطلاق جديدة تشمل صواريخ باليستية عابرة للقارات متعددة الرؤوس، وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، بالإضافة إلى تحديث قدراتها البحرية والجوية المرتبطة بالأسلحة النووية.

في المقابل، تؤكد مصادر رسمية صينية أن هذه التقديرات مبالغ فيها وأن برنامجها النووي يظل ضمن الإطار الدفاعي. وتشدد بكين على أنها لن تدخل في سباق تسلح نووي مع الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى، وأن سياستها تقوم على مبدأ "عدم الاستخدام الأول" للأسلحة النووية، وهو التزام لم تتبناه القوى النووية الكبرى الأخرى.

هذا التباين بين الخطاب الرسمي والتقديرات الغربية يعكس حالة من عدم الثقة المتبادلة بين القوى العظمى. ففي الوقت الذي ترى فيه واشنطن وحلفاؤها أن التوسع النووي الصيني يهدد الاستقرار الاستراتيجي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تعتبر بكين أن تحديث قدراتها النووية ضروري لمواجهة ما تصفه بالتهديدات الناشئة من تحالفات إقليمية متنامية، مثل حوار الأمن الرباعي (كيوارد) وتعزيز التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة.

من الناحية الفنية، تشير التحليلات إلى أن الصين تستثمر بشكل كبير في تطوير تكنولوجيا الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، والتي يمكن أن تخترق أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية. كما تعمل على تعزيز قدراتها في مجال الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، مما يعطي انطباعاً بأن بكين تستعد لسيناريوهات صراع محتملة تتطلب ردعاً نووياً أكثر تطوراً.

اللافت أن الصين تجري تجارب نووية تحت الأرض بشكل منتظم، رغم التزامها بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية التي لم تدخل حيز التنفيذ بعد. هذه التجارب، إلى جانب الاستعراضات العسكرية التي تظهر فيها قدراتها الصاروخية، تهدف إلى إرسال رسائل واضحة للخصوم المحتملين بأن لديها إرادة وقدرة على حماية مصالحها القومية.

من جهة أخرى، تثير هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، واحتمال تمديدها لتشمل الصين. واشنطن تسعى منذ سنوات لإشراك بكين في مفاوضات الحد من التسلح، لكن الصين ترفض ذلك بحجة أن ترسانتها النووية لا تزال صغيرة مقارنة بالقوتين العظميين.

في هذا السياق، تبدو التقديرات الغربية حول التوسع النووي الصيني جزءاً من حملة ضغط دبلوماسية تهدف إلى دفع بكين إلى طاولة المفاوضات. لكن من المرجح أن تواصل الصين تعزيز قدراتها النووية حتى تصل إلى مستوى يضمن لها الردع المتبادل مع واشنطن، وهو ما قد يستغرق سنوات عدة.

التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الدولي هو كيفية إدارة هذا التوسع النووي الصيني دون التسبب في سباق تسلح إقليمي قد يمتد إلى الهند وباكستان وكوريا الشمالية. الوضع الحالي يتطلب حواراً استراتيجياً شاملاً بين القوى الكبرى لتحديث أطر الحد من التسلح وبناء آليات ثقة تمنع سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى صراع مدمر.

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

التوسع النووي الصيني ليس ظاهرة جديدة، بل هو استمرار لاتجاه بدأ منذ عقدين تقريباً، لكنه تسارع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة مع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. ما يثير القلق ليس فقط حجم الترسانة، بل وتيرة التحديث النوعي الذي يشمل أنظمة تفوق سرعتها سرعة الصوت وقدرات متعددة الرؤوس.

تاريخياً، اتبعت الصين عقيدة "الحد الأدنى من الردع" الذي يعتمد على عدد محدود من الرؤوس النووية تكفي لإلحاق خسائر غير مقبولة بأي معتد محتمل. لكن التقديرات الحالية تشير إلى أن بكين تتجه نحو عقيدة "الردع المضمون" التي تتطلب ترسانة أكبر وأكثر تنوعاً لضمان القدرة على الرد حتى بعد تعرض لضربة أولى.

من الناحية الاقتصادية، تستطيع الصين تحمل تكاليف هذا التوسع نظراً لحجم اقتصادها الذي يفوق 18 تريليون دولار. لكن السؤال الاستراتيجي هو: هل تحتاج الصين حقاً إلى 1000 رأس نووي لردع خصومها؟ أم أن هذا التوسع يهدف إلى تحقيق تفوق استراتيجي في مرحلة ما بعد هيمنة القوة العظمى الواحدة؟

سياسياً، هذا التوسع يعكس قلقاً صينياً عميقاً من تحالف أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة يشمل اليابان وأستراليا والهند، بالإضافة إلى تعزيز التواجد العسكري الأمريكي في غوام وهاواي. بكين ترى في هذه التحالفات تهديداً لأمنها القومي، وترد بتعزيز قدراتها النووية كأداة موازنة.

على الصعيد الإقليمي، التوسع النووي الصيني يثير مخاوف دول الجوار مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية. الهند التي تمتلك ترسانة نووية متوسطة قد تسعى لتوسيعها، بينما اليابان التي تعتمد على المظلة النووية الأمريكية قد تفكر في خيارات نووية خاصة بها إذا شعرت بعدم موثوقية الحماية الأمريكية.

مستقبلاً، من المتوقع أن تواصل الصين بناء قدراتها النووية حتى تصل إلى مستوى من الردع يمنع أي محاولة لاعتراض صواريخها أو توجيه ضربة استباقية. هذا قد يستغرق 10 إلى 15 عاماً أخرى. خلال هذه الفترة، سيكون التحدي الأكبر هو منع سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى صراع غير مقصود، خاصة في ظل غياب قنوات اتصال فعالة بين القوتين النوويتين.

الحل الأمثل يكمن في بدء حوار استراتيجي بين واشنطن وبكين حول الحد من التسلح النووي، يشمل تدابير بناء الثقة مثل تبادل المعلومات حول الترسانات وإجراءات الإخطار المسبق بالتجارب. لكن هذا الحوار سيكون صعباً في ظل انعدام الثقة الحالي والتنافس الجيوسياسي المحتدم.

في الختام، التوسع النووي الصيني ليس مجرد قضية تقنية أو عسكرية، بل هو انعكاس لتغير ميزان القوى العالمي وانتقال من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب. التعامل مع هذا التحدي يتطلب رؤية استراتيجية جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للردع نحو إطار أمني تعاوني يضمن الاستقرار للجميع.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →