في تصريحات متلفزة مساء الأحد، اتهم رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ركن ياسر عبدالرحمن العطا، القوى التي تقاتل الجيش في الخرطوم وولايات أخرى، بأنها تعمل ضمن "مؤامرة صهيونية تقودها عناصر سرية". وقال العطا، وهو أيضاً عضو مجلس السيادة الانتقالي، إن القوات المسلحة تمضي نحو تحقيق النصر الكامل في كل ربوع البلاد، مشيراً إلى أن المعركة الحالية تتجاوز كونها صراعاً داخلياً.
وأضاف العطا أن "هناك أيدي خفية تعمل على تفكيك السودان عبر دعم الميليشيات المتمردة"، دون أن يسمي جهات بعينها. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العاصمة الخرطوم معارك عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي سيطرت على معظم أنحاء العاصمة منذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023.
ويرى مراقبون أن اتهامات العطا تحاول حشد الدعم الشعبي للجيش عبر استحضار عداء تاريخي لإسرائيل، رغم أن السودان كان قد وقع على اتفاق تطبيع مع إسرائيل في إطار اتفاقيات إبراهيم عام 2020، قبل أن يعلقها في فبراير 2023. كما أن الحرب الحالية لم تسفر عن أي دليل ملموس على تورط إسرائيلي أو صهيوني مباشر.
من جانبه، يرفض الجيش السوداني أي حديث عن مفاوضات مع قوات الدعم السريع، متمسكاً بشرط حل الميليشيا وتسليم سلاحها قبل أي حوار. وتستمر العمليات العسكرية في عدة جبهات، أبرزها في أم درمان والخرطوم بحري، حيث يحاول الجيش استعادة مواقع استراتيجية.
ويواجه السودان أزمة إنسانية غير مسبوقة، حيث نزح أكثر من 7 ملايين شخص داخلياً وخارجياً، وفقاً للأمم المتحدة، مع توقف شبه كامل للخدمات الأساسية في العاصمة والمناطق المتاخمة. كما تنتشر المجاعة في بعض المناطق، خاصة في إقليم دارفور.
وتصاعدت حدة الاتهامات المتبادلة بين الجيش والدعم السريع بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين، وسط فشل الوساطات الإقليمية والدولية في وقف إطلاق النار. وتعتبر منظمة الإيغاد والاتحاد الأفريقي أبرز المبادرات التي لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن.
وتأتي تصريحات العطا في سياق خطاب متصاعد من القيادة العسكرية السودانية، التي تستخدم مصطلحات "المؤامرة الخارجية" و"العملاء" لوصف خصومها، في محاولة لتوحيد الصف الداخلي خلف الجيش. لكن هذا الخطاب يثير مخاوف من تعميق الانقسامات المجتمعية وإطالة أمد الحرب.
في المقابل، تتهم قوات الدعم السريع الجيش بأنه يسعى للاستئثار بالسلطة ورفض أي شراكة سياسية حقيقية، مؤكدة استعدادها لوقف إطلاق النار بشرط تشكيل حكومة مدنية انتقالية. وتواصل القوات سيطرتها على معظم مناطق الخرطوم، رغم خسائرها في بعض المحاور.
ويظل المشهد السوداني معقداً، إذ تتداخل العوامل الداخلية والإقليمية والدولية في تأجيج الصراع. فبينما تتهم الخرطوم دولاً مجاورة بدعم الدعم السريع، تنفي هذه الدول الاتهامات. كما أن الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها تعقد أي حل عسكري محض.
ومع استمرار الحرب دون أفق واضح للحل، يزداد الوضع الإنساني تدهوراً، حيث يحتاج أكثر من 25 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وفقاً لتقارير أممية. وتواصل المنظمات الإنسانية دعواتها لفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، لكن القتال يعيق هذه الجهود.
ويبدو أن تصريحات العطا، التي تتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة في المنطقة، تهدف إلى تعزيز الروح المعنوية للجيش وحلفائه، في وقت يواجه فيه ضغوطاً متزايدة للقبول بوقف إطلاق النار. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد من تعقيد الموقف بإضفاء طابع أيديولوجي على الصراع.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع القيادة العسكرية السودانية تحقيق النصر الكامل الذي تتحدث عنه، أم أن الحرب ستستمر في استنزاف البلاد وشعبها دون حلول قريبة؟
