في تطور لافت، أغلقت قوات الشرطة الكينية، اليوم، طرقاً رئيسية في العاصمة نيروبي، مع بدء احتجاجات جديدة يقودها شباب من جيل زد، تطالب بالعدالة لأكثر من 80 شخصاً لقوا حتفهم خلال المظاهرات التي شهدتها البلاد عام 2024، وأثناء إحياء ذكراها السنوية في وقت سابق من هذا العام. وتشهد شوارع العاصمة انتشاراً أمنياً مكثفاً، مع نصب حواجز إسمنتية على الطرق المؤدية إلى وسط المدينة، والمباني الحكومية، والمناطق التجارية الحيوية. وذكر شهود عيان أن قوات الأمن تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين في بعض النقاط، فيما يحاول النشطاء تنظيم مسيرات سلمية رغم الإجراءات المشددة. وتعود جذور هذه الاحتجاجات إلى العام الماضي، عندما اندلعت مظاهرات واسعة في كينيا احتجاجاً على قانون مالي جديد فرض ضرائب إضافية على المواطنين، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الكيني من تضخم مرتفع وديون خارجية كبيرة. وسرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى حركة أوسع تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى. ويطالب المحتجون اليوم بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات. كما يرفعون شعارات تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، وتوفير فرص عمل للشباب، ومكافحة الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس بالنسبة للحكومة الكينية، التي تسعى إلى استعادة الثقة بعد الأحداث الدامية التي هزت البلاد. وقد أعلن الرئيس وليام روتو في خطاب سابق عن تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للتحقيق في ملابسات القتل، لكن النشطاء يعتبرون أن هذه الخطوات غير كافية، ويطالبون بإجراءات فورية وملموسة. ويرى مراقبون أن حركة جيل زد في كينيا تمثل نموذجاً لتحول في خطاب الاحتجاج الشبابي في أفريقيا، حيث يستخدم النشطاء وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف لتنظيم الاحتجاجات ونشر رسائلهم، متجاوزين بذلك القنوات التقليدية. كما أنهم يرفضون الانتماء الحزبي الضيق، ويركزون على مطالب محددة تتعلق بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية. من جهتها، دعت منظمات المجتمع المدني الدولية الحكومة الكينية إلى ضبط النفس واحترام الحق في التظاهر السلمي، محذرة من أي استخدام مفرط للقوة. كما طالبت بإجراء تحقيق دولي في أحداث العنف السابقة لضمان المساءلة. وتشهد كينيا منذ عام 2024 حالة من الاضطراب السياسي، حيث أن الاحتجاجات الحالية هي الأحدث في سلسلة من التحركات الشعبية التي تعكس إحباطاً عميقاً من الأداء الحكومي. ويبدو أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والتي تتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة المحلية، تشعل فتيل الغضب الشعبي. في غضون ذلك، تواصل الشرطة عملياتها لتأمين العاصمة، مع تعزيز التواجد الأمني في المناطق الحساسة. ويحاول المسؤولون الحكوميون تهدئة الأوضاع عبر تصريحات تدعو إلى الحوار، لكن المحتجين يرفضون أي دعوات للحوار قبل تحقيق مطالبهم الأساسية. ويبقى المشهد في نيروبي متوتراً، مع ترقب لتطورات الأيام القادمة، حيث يخطط النشطاء لمواصلة الاحتجاجات حتى تحقيق أهدافهم. وتتجه الأنظار إلى كيفية تعامل الحكومة مع هذا التحدي الجديد، في وقت تتراكم فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية. هذا، وتعتبر كينيا من الدول الأفريقية التي تشهد حراكاً شبابياً لافتاً، حيث أن جيل زد أصبح قوة دافعة للتغيير في العديد من المجالات. ويرى المحللون أن هذه الاحتجاجات قد تكون نقطة تحول في المشهد السياسي الكيني، إذا ما تمكن النشطاء من الحفاظ على زخمهم وتحقيق مطالبهم.
الشرطة تغلق طرقاً رئيسية في نيروبي مع تصاعد احتجاجات جيل زد

أغلقت الشرطة الكينية طرقاً رئيسية في العاصمة نيروبي مع تصاعد احتجاجات يطالب فيها المحتجون بالعدالة لأكثر من 80 شخصاً قتلوا خلال مظاهرات عام 2024 وذكراها السنوية، في مشهد يعكس توتراً سياسياً متصاعداً.
تحريرياً، لا يمكن النظر إلى احتجاجات جيل زد في كينيا بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تعكس هذه الحركة اتجاهاً متصاعداً في أفريقيا نحو المطالبة بالشفافية والمحاسبة. ففي السنوات الأخيرة، شهدت دول مثل نيجيريا وأوغندا وإثيوبيا احتجاجات شبابية مماثلة، غالباً ما تكون مدفوعة بأزمات اقتصادية حادة وانتشار البطالة بين الخريجين. لكن ما يميز الحالة الكينية هو استمراريتها وقدرتها على الحشد رغم القمع.
تاريخياً، عانت كينيا من دورات عنف سياسي مرتبطة بالانتخابات، لكن حركة جيل زد الحالية تتجاوز الانقسامات العرقية التقليدية، وتركز على قضايا جوهرية مثل العدالة الاقتصادية وإنهاء الإفلات من العقاب. هذا التحول في الخطاب قد يعيد تشكيل المشهد السياسي الكيني، لكنه يواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب قيادة موحدة وقدرة النظام على استيعاب المطالب عبر إصلاحات سطحية.
اقتصادياً، تأتي الاحتجاجات في وقت تعاني فيه كينيا من أزمة ديون خانقة، حيث تذهب نسبة كبيرة من الإيرادات لخدمة الديون بدلاً من الاستثمار في الخدمات الأساسية. وهذا يفسر غضب الشباب الذين يرون أن مستقبلهم مرهون بقرارات مالية غير مسؤولة. ومع ذلك، فإن أي حكومة ستجد صعوبة في تلبية المطالب دون إعادة هيكلة اقتصادية شاملة، وهو أمر يتطلب دعماً دولياً قد لا يكون متاحاً بسهولة.
سياسياً، يُظهر تصلب الحكومة في التعامل مع الاحتجاجات ضعفاً في مؤسسات الدولة، حيث أن الاعتماد على القوة الأمنية بدلاً من الحوار يعكس أزمة شرعية. وإذا استمر هذا النهج، فقد نشهد تصعيداً في العنف يؤدي إلى تداعيات إقليمية، خاصة أن كينيا تعتبر مركزاً إقليمياً للأعمال والخدمات اللوجستية.
وفي الختام، تبدو كينيا أمام مفترق طرق: إما أن تستجيب الحكومة لمطالب الإصلاح وتشرع في عملية مصالحة حقيقية، أو تواصل القمع مما قد يؤدي إلى انفجار أكبر. أما بالنسبة للمحتجين، فإن التحدي الأكبر هو تحويل الزخم الشعبي إلى تغيير ملموس دون الانزلاق إلى الفوضى. الأيام القادمة ستكشف أي الطريقين ستسلك البلاد.