ملخص تنفيذي
يشهد الشرق الأوسط مرحلة تحول جذري في بنيته السياسية والاقتصادية والأمنية، تتسارع وتيرتها منذ عام 2023. خلال العقد المقبل (2026-2036)، ستبرز خمسة محاور رئيسية ستحدد ملامح المنطقة: أولاً، إعادة تعريف دور القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا) في المنطقة. ثانياً، مسار التطبيع الإسرائيلي-العربي وتداعيات القضية الفلسطينية. ثالثاً، التحولات الداخلية في الدول الكبرى (السعودية، إيران، تركيا، مصر). رابعاً، تحديات الأمن المائي والغذائي والطاقة. خامساً، أثر التحول الرقمي والتكنولوجي على المجتمعات والاقتصادات.
الخلفية والسياق التاريخي
منذ عام 2011، مر الشرق الأوسط بموجات من الاضطرابات والحروب، أبرزها في سوريا واليمن وليبيا والعراق. أدى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان عام 2021 وتقلص الالتزام العسكري المباشر في المنطقة إلى فراغ أمني سعت قوى إقليمية ودولية لملئه. في عام 2023، جاءت عملية طوفان الأقصى والحرب على غزة لتغير المعادلات الإقليمية، وأوقفت مسار التطبيع مع إسرائيل وأعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة. كما شهدت العلاقات السعودية-الإيرانية انفراجاً بوساطة صينية في مارس 2023، وهو ما فتح الباب أمام تحالفات جديدة.
الجذور التاريخية للصراعات
تعود جذور الصراعات في الشرق الأوسط إلى عقود طويلة، من تقسيمات سايكس-بيكو عام 1916 إلى إنشاء إسرائيل عام 1948 ونكبة الفلسطينيين. الحرب الباردة عززت الانقسامات بين المعسكرين الغربي والشرقي، فيما أدى اكتشاف النفط إلى تدخلات خارجية مكثفة. سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 فتح المجال لهيمنة أمريكية أحادية، لكنها تراجعت بعد حرب العراق 2003 والربيع العربي 2011. هذه الخلفية تفسر الحساسية الشديدة تجاه أي تغيير في موازين القوى.
دور القومية العربية والإسلام السياسي
برزت القومية العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كقوة موحدة، لكنها تراجعت بعد نكسة 1967. في المقابل، صعد الإسلام السياسي بعد الثورة الإيرانية 1979، ثم عبر حركات مثل الإخوان المسلمين وحزب الله. الربيع العربي أعاد إحياء هذه التيارات، لكنها واجهت انتكاسات في مصر وسوريا. بحلول 2026-2036، قد تتراجع الأيديولوجيات لصالح البراغماتية الاقتصادية، خاصة في دول الخليج.
المحور الأول: إعادة تعريف دور القوى الكبرى
الولايات المتحدة: من الهيمنة إلى الإدارة عن بعد
تواصل الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري المباشر في الشرق الأوسط، مع تركيز استراتيجي على الصين في المحيطين الهندي والهادئ. بحلول عام 2036، من المتوقع أن تتحول واشنطن من دور "الشرطي العالمي" إلى دور "الميسّر الإقليمي"، مع الاعتماد على حلفاء محليين مثل إسرائيل والسعودية والإمارات للحفاظ على الاستقرار. ستعتمد الإدارة الأمريكية على مزيج من الدعم العسكري (الأسلحة المتطورة، القواعد الجوية، الذكاء الاصطناعي) والعقوبات الاقتصادية لردع الخصوم، خاصة إيران. ومع ذلك، فإن أي تراجع أمريكي كبير قد يشجع قوى مثل روسيا والصين على تعزيز نفوذها. عدد القوات الأمريكية في المنطقة انخفض من 150,000 عام 2010 إلى حوالي 30,000 عام 2023، وقد يصل إلى 15,000 بحلول 2030.
الصين: لاعب اقتصادي يتحول إلى سياسي
بعد نجاح الوساطة السعودية-الإيرانية، ستسعى الصين إلى توسيع دورها الدبلوماسي في المنطقة، لكن بوتيرة بطيئة لتجنب الاصطدام المباشر مع الولايات المتحدة. ستظل المصالح الاقتصادية (النفط، الغاز، مبادرة الحزام والطريق) هي الأولوية، مع زيادة الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا. بحلول 2036، قد تصبح الصين الشريك التجاري الأكبر لمعظم دول المنطقة، لكنها ستتجنب الالتزامات الأمنية المباشرة. على سبيل المثال، استثمارات الصين في ميناء حيفا ومشاريع الطاقة في العراق قد تمنحها نفوذاً غير مباشر. الاستثمار الصيني في المنطقة تجاوز 200 مليار دولار بين 2013 و2023.
روسيا: التركيز على المتوسط وأفريقيا
بسبب حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية، ستواجه روسيا صعوبات في الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا وليبيا. قد تتحول موسكو إلى دور أكثر مرونة، مع التركيز على العلاقات مع إيران وتركيا ودول الخليج في إطار أوبك+. ستبقى روسيا مورداً رئيسياً للأسلحة لبعض الدول، لكنها ستفقد نفوذها تدريجياً لصالح الصين وتركيا. خبراء مثل ديمتري ترينين يرون أن روسيا قد تركز على تأمين قواعدها البحرية في طرطوس واللاذقية، لكنها قد تضحي بوجودها في مناطق أخرى. مبيعات الأسلحة الروسية إلى المنطقة انخفضت بنسبة 25% بين 2018 و2022.
دول أخرى: الاتحاد الأوروبي والهند
يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً محدوداً في الشرق الأوسط، لكنه قد يزداد في مجالات المساعدات الإنسانية والوساطة. الهند، من جهتها، تسعى لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج وإسرائيل، مع التركيز على الطاقة والأمن السيبراني. التجارة الهندية مع المنطقة بلغت 200 مليار دولار عام 2023، وقد تتضاعف بحلول 2036.
المحور الثاني: مسار التطبيع الإسرائيلي-العربي والقضية الفلسطينية
تراجع التطبيع بعد 2023
أدت حرب غزة 2023-2024 إلى تجميد مسار التطبيع مع إسرائيل، خصوصاً بالنسبة للسعودية. لكن مع مرور الوقت، قد يعود التطبيع بشكل تدريجي ومشروط، يرتبط بإقامة دولة فلسطينية أو حل الدولتين. بحلول 2036، من المرجح أن تشهد المنطقة تطبيعاً محدوداً مع دول خليجية (الإمارات، البحرين) بشرط تقدم في العملية السياسية الفلسطينية. أما الدول الأخرى مثل الأردن ومصر، فستظل ملتزمة بمعاهدات السلام القائمة، لكنها ستواصل الضغط من أجل حل عادل. استطلاعات الرأي تظهر أن 80% من السعوديين يعارضون التطبيع دون حل القضية الفلسطينية.
القضية الفلسطينية: بين الصراع المسلح والحل السياسي
ستظل القضية الفلسطينية محورية في أي مستقبل إقليمي. قد تشهد السنوات العشر القادمة إما تصعيداً في المقاومة المسلحة (خاصة من غزة والضفة) أو تحركاً دولياً لفرض حل الدولتين عبر مؤتمر دولي. الاحتمال الأرجح هو استمرار الوضع الراهن مع اشتعال دوري للعنف، لكن الضغوط الدولية (خاصة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي) قد تدفع نحو مفاوضات جادة بحلول 2030. في هذا السياق، يرى المحلل الفلسطيني غسان الخطيب أن حل الدولتين أصبح أقل احتمالاً بسبب الاستيطان الإسرائيلي، بينما يرى آخرون أن الضغط الدولي قد يفرض حلاً. عدد المستوطنين في الضفة الغربية تجاوز 700,000 عام 2023، مما يصعب أي حل.
دور الفاعلين غير الدوليين
حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، والميليشيات العراقية المدعومة من إيران ستظل عوامل مؤثرة. أي حرب إقليمية قد تشمل هذه الجماعات، مما يوسع نطاق الصراع. قدرات حزب الله الصاروخية تقدر بـ 150,000 صاروخ، مما يجعله رادعاً مهماً.
المحور الثالث: التحولات الداخلية في الدول الكبرى
السعودية: رؤية 2030 وما بعدها
تواصل السعودية تنفيذ رؤية 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. بحلول 2036، من المتوقع أن تصبح السعودية مركزاً إقليمياً للخدمات اللوجستية والسياحة والترفيه. سياسياً، قد تشهد البلاد انتقالاً للسلطة من جيل الملك سلمان إلى ولي العهد محمد بن سلمان، مع استمرار السياسة الخارجية النشطة (الوساطة في اليمن، العلاقة مع إيران) والتركيز على الاستقرار الداخلي. تشير التوقعات إلى أن مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي قد تصل إلى 60% بحلول 2030. صندوق الاستثمارات العامة يدير أصولاً تزيد عن 700 مليار دولار.
إيران: بين العقوبات والانفتاح
ستظل إيران تحت ضغط العقوبات الغربية، لكنها قد تحقق اختراقاً في الملف النووي عبر مفاوضات جديدة بحلول 2028-2030. اقتصادياً، ستعتمد طهران على العلاقات مع الصين وروسيا ودول الجوار. تغيير النظام غير مرجح، لكن قد تشهد إيران انتخابات داخلية تنتج رئيساً أكثر انفتاحاً. دورها الإقليمي عبر الوكلاء (حزب الله، الحوثيون، الميليشيات العراقية) سيستمر لكنه قد يتراجع بسبب الضغوط الإسرائيلية والأمريكية. خبراء مثل علي واعظ يرون أن إيران قد توافق على قيود نووية مقابل رفع العقوبات. التضخم في إيران تجاوز 40% عام 2023.
تركيا: التوازن بين الشرق والغرب
ستواصل تركيا سياسة التوازن بين علاقتها مع الناتو والاتحاد الأوروبي من جهة، ومع روسيا والصين من جهة أخرى. بحلول 2036، قد تنتهي فترة حكم أردوغان (إذا خسر الانتخابات)، مما يغير التوجهات السياسية. تركيا ستظل لاعباً رئيسياً في سوريا والعراق وليبيا وقبرص. اقتصادياً، ستحتاج أنقرة إلى حل مشكلة التضخم والليرة. الناتو يعتبر تركيا حليفاً استراتيجياً رغم الخلافات. الليرة التركية فقدت 80% من قيمتها بين 2018 و2023.
مصر: تحديات اقتصادية وأمنية
تواجه مصر تحديات كبيرة في النمو السكاني والديون ونقص العملات الأجنبية. بحلول 2036، قد تنجح مصر في تحسين وضعها الاقتصادي عبر مشروعات البنية التحتية (العاصمة الإدارية، قناة السويس) وجذب الاستثمارات الخليجية. سياسياً، من المتوقع أن تظل مصر حليفاً غربياً وعربياً، مع دور محوري في القضية الفلسطينية وليبيا. صندوق النقد الدولي يتوقع نمواً بنسبة 5% سنوياً إذا نفذت الإصلاحات. الديون الخارجية لمصر تجاوزت 160 مليار دولار عام 2023.
دول أخرى: العراق، سوريا، اليمن، ليبيا
العراق يعاني من هشاشة سياسية وفساد، لكنه قد يشهد استقراراً نسبياً بفضل الوساطة الإقليمية. سوريا تظل مقسمة تحت سيطرة الأسد وقوى خارجية، مع احتمالية إعادة إعمار بطيئة. اليمن قد يشهد سلاماً هشاً بعد هدنة 2023، لكن الحوثيين يظلون قوة مؤثرة. ليبيا تواصل انقسامها بين الشرق والغرب. في العراق، البطالة بين الشباب تصل إلى 40%.
المحور الرابع: تحديات الأمن المائي والغذائي والطاقة
أزمة المياه
تعاني دول الشرق الأوسط من شح مائي حاد، خاصة العراق وسوريا والأردن وفلسطين. ستتفاقم الأزمة مع التغير المناخي، مما قد يؤدي إلى نزاعات على الأنهار المشتركة (دجلة والفرات، النيل). مشاريع تحلية المياه وإعادة استخدامها ستكون حاسمة، لكنها مكلفة. التعاون الإقليمي في إدارة المياه قد يكون فرصة للسلام. وفقاً للبنك الدولي، قد تنخفض موارد المياه في المنطقة بنسبة 20% بحلول 2050. العراق يفقد 60% من مياهه بسبب مشاريع تركية وإيرانية.
الأمن الغذائي
تعتمد معظم دول المنطقة على استيراد الغذاء، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار والصدمات العالمية. بحلول 2036، قد تشهد المنطقة استثمارات كبيرة في الزراعة المستدامة (خاصة في السعودية والإمارات) عبر التكنولوجيا والزراعة العمودية. على سبيل المثال، السعودية تستثمر في الزراعة في السودان وأمريكا الجنوبية. المنطقة تستورد 50% من احتياجاتها الغذائية.
تحول الطاقة
مع توجه العالم نحو الطاقة المتجددة، تسارع دول الخليج إلى تنويع مصادر الطاقة. بحلول 2036، قد تصل حصة الطاقة الشمسية والرياح في مزيج الطاقة السعودي إلى 30-40%. كما ستبقى المنطقة مصدراً رئيسياً للنفط والغاز، لكن الطلب قد يبلغ ذروته بحلول 2030. وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يصل الطلب على النفط إلى ذروته قبل 2030. السعودية تستثمر 50 مليار دولار في الطاقة المتجددة بحلول 2030.
المحور الخامس: أثر التحول الرقمي والتكنولوجي
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي
تستثمر دول الخليج بكثافة في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والمدن الذكية. السعودية والإمارات ستكونان رائدتين في المنطقة. بحلول 2036، قد تصبح الرياض ودبي مراكز عالمية للتكنولوجيا المالية والصحة الرقمية. في المقابل، قد تتخلف دول أخرى مثل سوريا واليمن والعراق بسبب الصراعات. صندوق الاستثمارات العامة السعودي أطلق شركة "نيوم" للتكنولوجيا. الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في المنطقة قد يصل إلى 100 مليار دولار بحلول 2030.
التحديات الأمنية السيبرانية
مع زيادة الرقمنة، تتصاعد الهجمات السيبرانية. ستستثمر الدول في بناء دفاعات سيبرانية، لكن الفجوة بين الدول المتقدمة والضعيفة ستتسع. إسرائيل ودول الخليج تستثمر بكثافة في الأمن السيبراني، بينما تفتقر دول أخرى للقدرات. الهجمات السيبرانية على السعودية زادت 300% بين 2020 و2023.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: الاستقرار الهش (احتمال 40%)
يستمر الوضع الراهن مع إدارة دبلوماسية للصراعات، وتطبيع محدود، وتحسن اقتصادي تدريجي. تظل إيران تحت العقوبات لكنها تتجنب المواجهة العسكرية الكبرى مع إسرائيل أو أمريكا. القضية الفلسطينية تبقى متجمدة.
السيناريو الثاني: التصعيد الإقليمي (احتمال 30%)
اندلاع حرب إقليمية بين إسرائيل وإيران عبر وكلائها، أو حرب أهلية جديدة في العراق أو لبنان. يؤدي ذلك إلى موجة لجوء جديدة، وارتفاع أسعار النفط، وتدخل دولي.
السيناريو الثالث: السلام الإقليمي (احتمال 20%)
تحقيق اتفاق سلام شامل بين إسرائيل والفلسطينيين، وتطبيع كامل مع العالم العربي، وانفراج العلاقات السعودية-الإيرانية، مما يطلق عصراً من التعاون الاقتصادي والأمني.
السيناريو الرابع: الانهيار (احتمال 10%)
تتفاقم أزمات المياه والغذاء والطاقة، مع انهيار دول مثل سوريا واليمن وليبيا، مما يؤدي إلى حروب الجوع والهجرة الجماعية.
المخاطر والفرص
المخاطر تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران. تفاقم أزمة المياه والغذاء. عدم الاستقرار في الدول الهشة. التهديدات الإرهابية. هجمات سيبرانية على البنية التحتية.
الفرص التعاون الإقليمي في الطاقة المتجددة والمياه. الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم. السلام الإسرائيلي-الفلسطيني. انفتاح إيران اقتصادياً. تحول الطاقة يخلق وظائف جديدة.
خلاصة
مستقبل الشرق الأوسط خلال العقد القادم سيكون حصيلة تفاعل خمسة محاور رئيسية. رغم التحديات الكبيرة، تظل المنطقة تملك إمكانات هائلة للتحول نحو الاستقرار والازدهار إذا توفرت الإرادة السياسية والتعاون الدولي. السيناريو الأرجح هو الاستقرار الهش مع استمرار الصراعات المجمدة، لكن أي تقدم في مسار السلام الفلسطيني أو انفراج العلاقات الإيرانية-السعودية قد يغير المعادلة بشكل جذري.
