في 29 يونيو 2006، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً تاريخياً في قضية حمدان ضد رامسفيلد، قضت فيه بأن المحاكم العسكرية التي أنشأها الرئيس جورج دبليو بوش لمحاكمة معتقلي غوانتانامو تنتهك القانون الأمريكي والدولي. القرار الذي صدر بأغلبية 5 أصوات مقابل 3، مثّل انتصاراً كبيراً لمبادئ العدالة وسيادة القانون، وأثار ردود فعل واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
تعود تفاصيل القضية إلى ساليم أحمد حمدان، اليمني الذي كان يعمل سائقاً لأسامة بن لادن، والذي اعتقل في أفغانستان ونقل إلى معتقل غوانتانامو في كوبا عام 2002. واجه حمدان تهماً بالتآمر لارتكاب جرائم حرب، وكان من المقرر أن يحاكم أمام محكمة عسكرية أنشئت بموجب أمر رئاسي. لكن محاميه طعنوا في شرعية هذه المحاكم، معتبرين أنها تفتقر إلى الضمانات القانونية الأساسية.
المحكمة العليا، في حكمها، أكدت أن المحاكم العسكرية التي أنشأها الرئيس بوش لا تتوافق مع قانون القضاء العسكري الموحد، وهو القانون الذي ينظم المحاكم العسكرية في الولايات المتحدة. كما رأت المحكمة أن هذه المحاكم تنتهك اتفاقيات جنيف، التي تحظر محاكمة أسرى الحرب أمام محاكم استثنائية. القرار شدد على أن الرئيس لا يملك سلطة إنشاء محاكم عسكرية خارج إطار القانون، حتى في زمن الحرب.
القرار، الذي كتبه القاضي جون بول ستيفنز، اعتبر أن الإجراءات المتبعة في هذه المحاكم لا توفر حماية كافية لحقوق المتهمين، خاصة فيما يتعلق بحقهم في محاكمة عادلة. كما انتقدت المحكمة عدم السماح للمعتقلين بالاطلاع على الأدلة السرية التي تستخدم ضدهم، مما يحرمهم من فرصة الرد عليها.
ردود الفعل على القرار كانت متباينة. بينما رحب نشطاء حقوق الإنسان ومنظمات القانون الدولي بالحكم، وصفه البعض في الإدارة الأمريكية بأنه انتكاسة للحرب على الإرهاب. الرئيس بوش عبر عن خيبة أمله، لكنه تعهد بالعمل مع الكونغرس لوضع إطار قانوني جديد لمحاكمة المعتقلين. في المقابل، رأى المحللون أن القرار يعيد التوازن بين الأمن القومي والحقوق الأساسية.
التداعيات المباشرة للقرار كانت كبيرة: توقفت المحاكم العسكرية عن العمل، وأعيد فتح ملفات مئات المعتقلين الذين كانوا ينتظرون المحاكمة. كما دفع القرار الإدارة الأمريكية إلى تغيير سياستها في غوانتانامو، حيث سعت إلى نقل بعض المعتقلين إلى دول أخرى، أو محاكمتهم أمام محاكم عسكرية معدلة أو محاكم فيدرالية.
على الصعيد الدولي، عزز القرار مكانة الولايات المتحدة كدولة تحترم القانون، رغم الانتقادات التي وجهت لسياساتها في مكافحة الإرهاب. كما شكل سابقة قضائية مهمة في مجال القانون الدولي الإنساني، حيث أكد على أن اتفاقيات جنيف تنطبق على جميع النزاعات المسلحة، بما في ذلك الحرب على الإرهاب.
بعد مرور سنوات، لا يزال معتقل غوانتانامو مفتوحاً، رغم وعود متكررة من عدة رؤساء بإغلاقه. القرار التاريخي للمحكمة العليا في 2006 يظل علامة فارقة في مسيرة العدالة، ومثالاً على قدرة القضاء على مراجعة قرارات السلطة التنفيذية حتى في أوقات الأزمات.
