تتجه أنظار العواصم الغربية والعالمية نحو العاصمة التركية أنقرة، حيث تستضيف تركيا قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المرتقبة في يوليو المقبل، والتي من المتوقع أن تشهد إعلان حزمة دعم عسكري جديدة لأوكرانيا، لكن هذه المرة بحجم أقل بكثير مما اعتادت عليه كييف في العامين الماضيين.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، يعتزم الحلف تخصيص ما بين 10 إلى 12 مليار دولار كدعم عسكري إضافي لأوكرانيا، وهو رقم يقل بأربع مرات عن المبالغ التي تم رصدها في القمتين السابقتين للحلف، والتي بلغت نحو 40 مليار دولار في كل مرة. هذا التراجع الكبير في حجم المساعدات يثير تساؤلات حول مستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا في مواجهة الحرب الروسية المستمرة.
ويأتي هذا التخفيض في وقت تعاني فيه أوكرانيا من نقص حاد في الذخيرة والعتاد العسكري، خاصة مع تباطؤ وتيرة المساعدات الأمريكية بسبب الخلافات السياسية الداخلية في الكونغرس. فقد واجهت حزمة المساعدات الأمريكية الأخيرة لأوكرانيا، والبالغة 61 مليار دولار، عقبات كبيرة قبل إقرارها في أبريل الماضي، مما أثر على توقيت وحجم الإمدادات العسكرية.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه الجديد للناتو يعكس تحولاً في الاستراتيجية الغربية تجاه الحرب في أوكرانيا، حيث بدأت بعض الدول الأعضاء تعاني من إرهاق الحرب وضغوط اقتصادية داخلية. كما أن حالة الجمود العسكري على الجبهات، وعدم تحقيق أي تقدم كبير لأي من الطرفين، جعلت بعض العواصم الغربية تعيد حساباتها.
من جهة أخرى، تظل تركيا، الدولة المضيفة للقمة، تلعب دوراً محورياً في الملف الأوكراني، حيث استضافت عدة جولات من المفاوضات بين كييف وموسكو، وحافظت على علاقات متوازنة مع الطرفين. وقد اختار الحلف أنقرة لعقد القمة في إشارة إلى أهمية الدور التركي في استقرار المنطقة.
ويتوقع أن تشهد القمة نقاشات حادة حول آليات توزيع المساعدات وضمان وصولها إلى أوكرانيا بشكل فعال، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن صعوبات لوجستية وفساد في بعض قنوات التوزيع. كما سيبحث القادة سبل تعزيز التعاون مع دول أخرى غير أعضاء في الحلف، مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، لسد الفجوة في الدعم.
وفي السياق نفسه، تؤكد المصادر أن التخفيض الكبير في المساعدات لا يعني تخلي الناتو عن أوكرانيا، بل هو إعادة تموضع استراتيجي تهدف إلى ضمان استدامة الدعم على المدى الطويل، وتجنب إرهاق الميزانيات العسكرية للدول الأعضاء. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن أوكرانيا من الصمود في وجه الضغوط الروسية المتزايدة مع هذا التراجع في الإمدادات الغربية؟
الواقع أن القرار يأتي في توقيت حرج، حيث تشن القوات الروسية هجمات مكثفة على عدة محاور، خاصة في منطقة دونباس، مستغلة بطء وصول المساعدات الغربية. وفي المقابل، تحاول أوكرانيا تعزيز قدراتها الدفاعية عبر تطوير صناعاتها العسكرية المحلية، لكن هذا يحتاج إلى وقت وموارد إضافية.
من ناحية أخرى، يرى بعض المحللين أن هذا التخفيض قد يكون رسالة ضغط على أوكرانيا للقبول بمفاوضات مع روسيا بشروط أكثر مرونة، خاصة مع تصاعد الأصوات في الغرب الداعية إلى حل دبلوماسي للحرب. لكن كييف تصر على موقفها بعدم التنازل عن أراضيها مقابل وقف إطلاق النار.
وفي ظل هذه المعطيات، تترقب الأوساط السياسية والعسكرية قمة أنقرة باهتمام بالغ، حيث ستكشف عن مدى التزام الحلف بدعم أوكرانيا في المدى المنظور، ومدى قدرة كييف على التكيف مع واقع الدعم المتناقص.
