سياسة

الناتو يخفض الدعم العسكري لأوكرانيا إلى الربع مع تراجع الضغط الأمريكي

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٩ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٧ م4 دقائق قراءة
الناتو يخفض الدعم العسكري لأوكرانيا إلى الربع مع تراجع الضغط الأمريكي

يخطط حلف الناتو لتخصيص 10-12 مليار دولار كمساعدات عسكرية إضافية لأوكرانيا في قمته المرتقبة بأنقرة، وهو ما يمثل ربع المبالغ التي قدمها الحلف في القمتين السابقتين، في انعكاس واضح لتراجع الزخم الأمريكي وتأثير الجمود السياسي في واشنطن.

تتجه أنظار العواصم الغربية والعالمية نحو العاصمة التركية أنقرة، حيث تستضيف تركيا قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المرتقبة في يوليو المقبل، والتي من المتوقع أن تشهد إعلان حزمة دعم عسكري جديدة لأوكرانيا، لكن هذه المرة بحجم أقل بكثير مما اعتادت عليه كييف في العامين الماضيين.

وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، يعتزم الحلف تخصيص ما بين 10 إلى 12 مليار دولار كدعم عسكري إضافي لأوكرانيا، وهو رقم يقل بأربع مرات عن المبالغ التي تم رصدها في القمتين السابقتين للحلف، والتي بلغت نحو 40 مليار دولار في كل مرة. هذا التراجع الكبير في حجم المساعدات يثير تساؤلات حول مستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا في مواجهة الحرب الروسية المستمرة.

ويأتي هذا التخفيض في وقت تعاني فيه أوكرانيا من نقص حاد في الذخيرة والعتاد العسكري، خاصة مع تباطؤ وتيرة المساعدات الأمريكية بسبب الخلافات السياسية الداخلية في الكونغرس. فقد واجهت حزمة المساعدات الأمريكية الأخيرة لأوكرانيا، والبالغة 61 مليار دولار، عقبات كبيرة قبل إقرارها في أبريل الماضي، مما أثر على توقيت وحجم الإمدادات العسكرية.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه الجديد للناتو يعكس تحولاً في الاستراتيجية الغربية تجاه الحرب في أوكرانيا، حيث بدأت بعض الدول الأعضاء تعاني من إرهاق الحرب وضغوط اقتصادية داخلية. كما أن حالة الجمود العسكري على الجبهات، وعدم تحقيق أي تقدم كبير لأي من الطرفين، جعلت بعض العواصم الغربية تعيد حساباتها.

من جهة أخرى، تظل تركيا، الدولة المضيفة للقمة، تلعب دوراً محورياً في الملف الأوكراني، حيث استضافت عدة جولات من المفاوضات بين كييف وموسكو، وحافظت على علاقات متوازنة مع الطرفين. وقد اختار الحلف أنقرة لعقد القمة في إشارة إلى أهمية الدور التركي في استقرار المنطقة.

ويتوقع أن تشهد القمة نقاشات حادة حول آليات توزيع المساعدات وضمان وصولها إلى أوكرانيا بشكل فعال، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن صعوبات لوجستية وفساد في بعض قنوات التوزيع. كما سيبحث القادة سبل تعزيز التعاون مع دول أخرى غير أعضاء في الحلف، مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، لسد الفجوة في الدعم.

وفي السياق نفسه، تؤكد المصادر أن التخفيض الكبير في المساعدات لا يعني تخلي الناتو عن أوكرانيا، بل هو إعادة تموضع استراتيجي تهدف إلى ضمان استدامة الدعم على المدى الطويل، وتجنب إرهاق الميزانيات العسكرية للدول الأعضاء. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن أوكرانيا من الصمود في وجه الضغوط الروسية المتزايدة مع هذا التراجع في الإمدادات الغربية؟

الواقع أن القرار يأتي في توقيت حرج، حيث تشن القوات الروسية هجمات مكثفة على عدة محاور، خاصة في منطقة دونباس، مستغلة بطء وصول المساعدات الغربية. وفي المقابل، تحاول أوكرانيا تعزيز قدراتها الدفاعية عبر تطوير صناعاتها العسكرية المحلية، لكن هذا يحتاج إلى وقت وموارد إضافية.

من ناحية أخرى، يرى بعض المحللين أن هذا التخفيض قد يكون رسالة ضغط على أوكرانيا للقبول بمفاوضات مع روسيا بشروط أكثر مرونة، خاصة مع تصاعد الأصوات في الغرب الداعية إلى حل دبلوماسي للحرب. لكن كييف تصر على موقفها بعدم التنازل عن أراضيها مقابل وقف إطلاق النار.

وفي ظل هذه المعطيات، تترقب الأوساط السياسية والعسكرية قمة أنقرة باهتمام بالغ، حيث ستكشف عن مدى التزام الحلف بدعم أوكرانيا في المدى المنظور، ومدى قدرة كييف على التكيف مع واقع الدعم المتناقص.

رأي ستاف كوانتم

إن قرار الناتو بخفض الدعم العسكري لأوكرانيا إلى الربع ليس مجرد تعديل في الأرقام، بل هو انعكاس لواقع جيوسياسي متغير، حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية تدريجياً تحت وطأة الانقسامات الداخلية، وتتزايد الحسابات الوطنية على حساب التضامن الأطلسي. لقد اعتادت أوكرانيا على الاعتماد على شريان الحياة الغربي، لكن هذا الشريان بدأ يجف، ليس بسبب نقص الإرادة، بل بسبب تغير الأولويات.

لطالما راهنت كييف على الدعم غير المحدود من واشنطن، لكن معركة الكونغرس الأخيرة حول حزمة المساعدات أظهرت أن أوكرانيا أصبحت ورقة في لعبة سياسية داخلية أمريكية. الجمهوريون، الذين كانوا في طليعة الداعمين لكييف، بدأوا يطرحون أسئلة محرجة عن حجم الإنفاق وعن جدوى استمرار الحرب دون استراتيجية واضحة للنصر. هذا التحول في الموقف الأمريكي انعكس مباشرة على موقف الحلف، الذي يفتقر إلى زعيم قوي يدفع باتجاه التصعيد.

أما أوروبياً، فالإرهاق واضح. دول مثل ألمانيا وفرنسا، التي كانت تدفع بثقلها لدعم أوكرانيا، تواجه الآن ضغوطاً داخلية متصاعدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتأثير الحرب على اقتصاداتها. كما أن الانتخابات الأوروبية المقبلة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي لصالح القوى الشعبوية التي تنادي بالانسحاب من النزاع.

هذا التخفيض في المساعدات يحمل رسالة واضحة: على أوكرانيا أن تبدأ في البحث عن حلول ذاتية، سواء عبر تعزيز صناعتها العسكرية أو عبر القبول بوقف إطلاق نار يجمّد الوضع الحالي. لكن كييف، التي تمسكت بشعار "النصر الكامل"، تجد نفسها الآن في مأزق: استمرار الحرب يعني استنزافاً أكبر، والتفاوض يعني تنازلات مؤلمة.

في المحصلة، ما يحدث في الناتو ليس مجرد تخفيض في الميزانية، بل هو بداية نهاية مرحلة من التدخل الغربي المكثف في أوكرانيا. السؤال الآن: هل تستطيع أوكرانيا الصمود في وجه هذا التحول، أم أن الربيع القادم سيشهد مفاوضات تحت ضغط الانهيار العسكري؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →