في خطوة غير مسبوقة، كشفت العائلة المالكة البريطانية النقاب عن المبلغ الذي دفعه الملك تشارلز الثالث كضرائب عن السنة المالية الماضية، وهو أول إفصاح رسمي من نوعه منذ توليه العرش. بلغ إجمالي المدفوعات نحو 9.1 ملايين جنيه إسترليني (حوالي 11.2 مليون دولار)، وفقاً لوثائق صادرة عن القصر الملكي.
يأتي هذا الإفصاح في إطار جهود العائلة المالكة لتعزيز الشفافية المالية، في وقت تتزايد فيه الضغوط العامة والإعلامية لكشف المزيد من التفاصيل حول ثروة الملك وأصوله. وقد تم احتساب الضريبة على أساس الدخل الناتج عن دوقية لانكستر، وهي مجموعة من الأراضي والممتلكات التي تعود ملكيتها للتاج البريطاني وتدر عوائد سنوية تقدر بعشرات الملايين.
ويُظهر الإفصاح أن الملك تشارلز دفع طواعية ضريبة بمعدل أعلى من المعدل القانوني، إذ بلغت نسبة الضريبة الفعلية نحو 45% من دخله الخاضع للضريبة، في خطوة تهدف إلى تهدئة الانتقادات المتعلقة بالامتيازات الضريبية التي يتمتع بها أفراد العائلة المالكة.
ومع ذلك، لا يزال هناك غموض يكتنف الحجم الكامل لثروة الملك الشخصية، والتي تشمل مجموعات فنية ومجوهرات وعقارات تاريخية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن صافي ثروة الملك تشارلز قد يتجاوز ملياري دولار، لكن القصر الملكي يرفض تأكيد هذه الأرقام.
ويأتي هذا الكشف في وقت حساس، حيث تواجه المؤسسة الملكية تحديات متعددة، أبرزها الانتقادات المتزايدة حول دورها في المجتمع البريطاني الحديث، وتكاليفها الباهظة على دافعي الضرائب. وقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعاً في نسبة تأييد الملكية، خاصة بين فئة الشباب.
وقد رحب خبراء الشفافية المالية بهذه الخطوة، لكنهم اعتبروها غير كافية. وقالت منظمة 'ريبابليك'، التي تدعو إلى إلغاء الملكية، إن الإفصاح لا يزال محدوداً ولا يشمل جميع مصادر الدخل والأصول. وأضافت أن العائلة المالكة لا تزال تتمتع بإعفاءات ضريبية كبيرة، مثل الإعفاء من ضريبة الميراث.
من جانبه، دافع القصر الملكي عن سجل الشفافية، مشيراً إلى أن الملك يخضع للضريبة طواعية منذ عام 1993، وأن الإفصاح السنوي عن المدفوعات الضريبية يعكس التزاماً بالوضوح. وأكد متحدث باسم القصر أن الملك يدفع ضريبة الدخل على جميع العوائد الشخصية من دوقية لانكستر.
وتشمل ثروة العائلة المالكة البريطانية مجموعة واسعة من الأصول، من بينها القصور التاريخية مثل قصر باكنغهام وقلعة وندسور، بالإضافة إلى مجموعات فنية لا تقدر بثمن. وتقدر قيمة الأصول المملوكة للتاج بنحو 28 مليار دولار، لكن معظمها غير خاضع للضريبة.
ويُثار الجدل حول ما إذا كان ينبغي أن تخضع هذه الأصول للضريبة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بريطانيا وارتفاع تكاليف المعيشة. ويطالب البعض بفرض ضريبة على الثروة الملكية، أو على الأقل زيادة الشفافية بشأن حجمها ومصادرها.
ويُعد هذا الإفصاح خطوة إيجابية نحو المزيد من الشفافية، لكنه يترك العديد من الأسئلة دون إجابة. فالمبلغ المعلن عنه لا يمثل سوى جزء صغير من الدخل الإجمالي للعائلة المالكة، الذي يشمل أيضاً المنح الحكومية السنوية (المنحة السيادية) التي تبلغ نحو 86 مليون جنيه إسترليني.
ويتوقع المراقبون أن تستمر الضغوط على العائلة المالكة لزيادة الشفافية، خاصة مع تولي الملك تشارلز الثالث العرش، الذي يُنظر إليه على أنه أكثر حداثة وانفتاحاً من سلفه. وقد أشار الملك في عدة مناسبات إلى رغبته في تحديث المؤسسة الملكية وجعلها أكثر توافقاً مع العصر.
في الختام، يبقى السؤال الأهم: هل سيمهد هذا الإفصاح الطريق لمزيد من الكشف عن الثروة الملكية، أم سيبقى جزءاً من استراتيجية أوسع لإدارة الصورة العامة بعناية؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
