كشفت بيانات ضريبية رسمية أن الملك تشارلز الثالث دفع ما مجموعه 12.9 مليون جنيه إسترليني كضرائب عن العام المالي 2024-2025، ليرتفع بذلك إجمالي ما سدده لخزينة الدولة منذ توليه العرش في سبتمبر 2022 إلى 30 مليون جنيه إسترليني. ويأتي هذا الإفصاح في إطار سياسة الشفافية الطوعية التي يتبعها القصر الملكي، والتي تهدف إلى تقديم صورة واضحة عن التزام الملك بواجباته الضريبية، لكنه في الوقت نفسه أثار موجة من التساؤلات حول حجم الثروة الفعلية للملك ومصادر إيراداته المتنوعة.
وتشمل الأرقام المعلنة الضرائب المدفوعة على الدخل الشخصي للملك، والذي يأتي بشكل أساسي من دوقية لانكستر، وهي مجموعة من الأراضي والممتلكات التي تعود ملكيتها للتاج وتدر أرباحاً سنوية. وخلال العام المالي الماضي، بلغ صافي إيرادات الدوقية 33.6 مليون جنيه إسترليني، مما يعني أن الملك دفع ضرائب بنسبة تقارب 38% على هذا الدخل، وهو ما يتماشى مع أعلى شرائح الضريبة على الدخل في المملكة المتحدة. لكن ما يلفت الانتباه هو أن هذه الأرقام لا تشمل أي تفاصيل عن الضرائب المدفوعة على ثروة الملك الشخصية الأخرى، والتي تشمل استثمارات خاصة ومجموعات فنية ومقتنيات ثمينة وعقارات.
وقد أثار هذا الغموض انتقادات من جانب خبراء الضرائب ونشطاء الشفافية، الذين يرون أن الإفصاح الطوعي لا يقدم صورة كاملة عن الوضع المالي للملك. ففي حين يلتزم الملك بدفع ضريبة الدخل على أرباح دوقية لانكستر، إلا أنه غير ملزم قانوناً بالكشف عن تفاصيل ثروته الشخصية أو دفع ضريبة الميراث أو ضريبة الأرباح الرأسمالية على المقتنيات الملكية التي تنتقل عبر الأجيال بموجب إعفاءات خاصة. ويشير البعض إلى أن النظام الضريبي للملكية البريطانية مبني على اتفاقيات غير مكتوبة تعود إلى قرون مضت، مما يجعله مجالاً خصباً للنقاش حول العدالة الضريبية والمساواة.
من جهة أخرى، يدافع القصر الملكي عن سياسة الإفصاح هذه باعتبارها خطوة إضافية نحو الشفافية مقارنة بالعصور السابقة. ويؤكد مسؤولون أن الملك تشارلز كان أول ملك بريطاني يخضع طوعاً لضريبة الدخل منذ عام 1993، عندما بدأت الملكة إليزابيث الثانية هذه الممارسة. لكن مع تزايد الضغوط الاقتصادية على المواطنين العاديين وارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو أن هذه الشفافية المحدودة لم تعد كافية لتهدئة المخاوف العامة بشأن حجم الثروة المتراكمة في العائلة المالكة.
وتشير المصادر إلى أن الملك تشارلز يرث أيضاً ثروة شخصية كبيرة من والدته الملكة الراحلة، والتي تشمل محافظ استثمارية ومجموعات فنية نادرة وعقارات خاصة. ومع أن القصر الملكي لم يكشف عن قيمة هذه الأصول، فإن التقديرات غير الرسمية تتراوح بين مئات الملايين إلى عدة مليارات من الجنيهات. وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي إخضاع هذه الثروات لنفس قوانين الضرائب التي يخضع لها المواطنون العاديون، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها بريطانيا.
وتتزامن هذه الإفصاحات مع مناقشات برلمانية حول إصلاح النظام الضريبي للعائلة المالكة، حيث يدعو بعض أعضاء البرلمان إلى إلغاء الإعفاءات الضريبية الخاصة الممنوحة للتاج، وتطبيق قوانين ضريبية موحدة على جميع المواطنين بما فيهم أفراد العائلة المالكة. ويقول هؤلاء إنه في وقت تشهد فيه الخدمات العامة تقشفاً حاداً وارتفاعاً في الضرائب على المواطنين، فإنه من غير المقبول أن تظل ثروة الملك محصنة من المساهمة العادلة في الخزينة العامة.
في المقابل، يرى مؤيدو النظام الحالي أن الملك يضطلع بدور رمزي وطني واقتصادي مهم، وأن استقرار النظام الملكي يسهم في جذب السياحة والاستثمارات الأجنبية. كما يشيرون إلى أن دوقية لانكستر ليست ملكاً شخصياً للملك، بل هي ممتلكات تابعة للتاج تنتقل إلى الملك التالي، وأن أرباحها تُستخدم لتغطية النفقات الرسمية والخاصة للملك. لكن هذا الجدل يعكس توتراً أوسع حول دور النظام الملكي في مجتمع ديمقراطي حديث، ومدى شفافية الإفصاح عن ثروة من هم في أعلى هرم السلطة.
وبينما يلتزم القصر الملكي الصمت بشأن التفاصيل الإضافية، يظل السؤال قائماً: هل الأرقام المعلنة تمثل الحقيقة الكاملة عن مداخيل الملك تشارلز وثروته؟ أم أن هناك طبقات أخرى من الثروة والإيرادات تظل بعيدة عن أنظار الرأي العام؟ في غياب إفصاح إلزامي وشامل، يبقى الجدل مفتوحاً حول مدى عدالة وشفافية النظام الضريبي الملكي.
