أعلنت الحكومة العراقية أن 21 سبتمبر المقبل هو الموعد النهائي لتسليم الفصائل المسلحة أسلحتها، بالتزامن مع انسحاب قوات التحالف الدولي. الخطوة تهدف إلى بسط سيطرة الدولة على السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، وسط تساؤلات حول قدرة الحكومة على فرض القرار.
أعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، أن الحادي والعشرين من سبتمبر المقبل هو الموعد النهائي للفصائل المسلحة لتسليم أسلحتها، مشيراً إلى أن هذا التاريخ يتزامن مع موعد خروج قوات التحالف الدولي من البلاد. يأتي هذا الإعلان في إطار جهود الحكومة لفرض سيطرتها الكاملة على السلاح خارج إطار الدولة، وهو ملف طالما شكل تحدياً أمنياً وسياسياً في العراق.
وقال العبودي في مؤتمر صحفي عقده في بغداد، إن الحكومة ملتزمة بتنفيذ هذا القرار الذي يهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار، وإنها لن تتهاون مع أي جهة تخالف المهلة المحددة. وأضاف أن عملية تسليم السلاح ستتم بشكل منظم وتحت إشراف لجان حكومية مختصة، لضمان عدم تسرب الأسلحة إلى جهات غير مرغوب فيها.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه العراق توترات سياسية وأمنية، حيث تنتشر فصائل مسلحة متعددة في مناطق مختلفة، بعضها مرتبط بإيران ولها نفوذ واسع. وتعتبر الحكومة أن حصر السلاح بيد الدولة هو خطوة ضرورية لبناء دولة المؤسسات وتحقيق السيادة الكاملة.
من جهة أخرى، أثار القرار تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على تنفيذه، خاصة في ظل مقاومة بعض الفصائل التي ترى في السلاح وسيلة للحفاظ على نفوذها. كما أن تزامن المهلة مع انسحاب التحالف الدولي يضيف بعداً استراتيجياً، حيث تسعى بغداد لإظهار قدرتها على إدارة الأمن بمفردها.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا القرار يعتمد على عدة عوامل، منها التوافق السياسي بين الكتل الممثلة في البرلمان، ومدى استعداد الفصائل للانخراط في العملية السياسية بشكل سلمي. كما أن الضغوط الإقليمية والدولية قد تلعب دوراً في دعم الحكومة أو إعاقتها.
ويذكر أن الحكومة العراقية سبق أن أعلنت عن مبادرات مماثلة في السنوات الماضية، لكنها لم تنجح بشكل كامل بسبب التعقيدات السياسية والأمنية. ومع ذلك، يبدو أن الإرادة السياسية هذه المرة أقوى، خاصة مع تصاعد المطالب الشعبية بإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت.
وفي سياق متصل، أكد المتحدث أن الحكومة ستوفر برامج إعادة تأهيل ودمج لأفراد الفصائل الراغبين في العودة إلى الحياة المدنية، بما في ذلك فرص عمل وتدريب. كما ستتعامل بحزم مع أي محاولة لتعطيل القرار، مع احترام الضمانات القانونية والحقوقية.
ويترقب العراقيون تنفيذ هذه المهلة، التي قد تكون نقطة تحول في مسار البلاد نحو الاستقرار. لكن التحديات لا تزال كبيرة، أبرزها الحاجة إلى إصلاحات أمنية واقتصادية وسياسية شاملة.
رأي ستاف كوانتم
يمثل إعلان الحكومة العراقية مهلة لتسليم سلاح الفصائل خطوة جريئة في مسار طويل من محاولات بسط السيطرة على القوة المسلحة خارج إطار الدولة. غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل تمتلك الحكومة فعلياً الإرادة والقدرة على تنفيذ هذا القرار في ظل شبكة المصالح السياسية والاقتصادية التي تربط بعض الفصائل بأطراف إقليمية؟
تاريخياً، لم تنجح الحكومات العراقية المتعاقبة في نزع سلاح الفصائل، لا سيما تلك التي تشكلت بعد عام 2003 واكتسبت شرعية بمكافحة تنظيم داعش. ورغم أن الحكومة الحالية تحظى بدعم شعبي واسع لاتخاذها هذا الموقف، إلا أن التوازنات السياسية الهشة قد تعرقل التنفيذ. فبعض الفصائل تمثل أجنحة مسلحة لأحزاب سياسية مشاركة في الائتلاف الحاكم، مما يضع الحكومة في مأزق بين مكافحة السلاح المنفلت والحفاظ على الاستقرار السياسي.
من الناحية الاقتصادية، تعتمد بعض الفصائل على مصادر تمويل ذاتية من أنشطة غير مشروعة كالتهريب والابتزاز، مما يجعل تسليم السلاح تهديداً لمصالحها المالية. كما أن غياب بدائل اقتصادية لأفراد هذه الفصائل قد يدفعهم إلى التمرد أو الانخراط في أعمال عنف. لذلك، فإن برامج إعادة التأهيل والدمج التي وعدت بها الحكومة يجب أن تكون سخية ومدروسة بعناية.
إقليمياً، يُنظر إلى هذه الخطوة بعين الريبة من قبل بعض الدول التي ترى في الفصائل أداة نفوذ داخل العراق. فإيران تحديداً قد تعتبر نزع سلاح الفصائل المقربة منها تهديداً لمصالحها الاستراتيجية، وقد تسعى إلى عرقلة القرار عبر ضغوط سياسية أو حتى تحريك وكلائها. في المقابل، ترحب الولايات المتحدة والدول الغربية بهذا التوجه، لكنها قد لا تقدم دعماً كافياً خوفاً من إثارة حساسيات إقليمية.
على الصعيد الداخلي، يمثل تزامن المهلة مع انسحاب التحالف الدولي فرصة ذهبية للحكومة لإظهار قدرتها على إدارة الأمن. لكن هذا التزامن يحمل أيضاً مخاطر، إذ قد يؤدي الفراغ الأمني الناتج عن الانسحاب إلى فوضى تستغلها الفصائل لتعزيز مواقعها. لذا، يجب أن تكون الحكومة مستعدة لمواجهة أي تدهور أمني، عبر تعزيز قواتها المسلحة وتفعيل أجهزة الاستخبارات.
في المحصلة، يعتمد نجاح هذا القرار على إرادة سياسية حقيقية، ودعم دولي مشروط، وبرامج اقتصادية شاملة، وموقف شعبي موحد. فبدون معالجة جذور المشكلة، قد تبقى المهلة مجرد حبر على ورق، وتظل ظاهرة السلاح المنفلت عائقاً أمام بناء دولة القانون في العراق.