تحليلات

الهدوء الذي يسبق الضربة لماذا تتوقف الحرب بين أمريكا وإيران أياما ثم تعود من جديد

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٧ م8 دقائق قراءة
الهدوء الذي يسبق الضربة لماذا تتوقف الحرب بين أمريكا وإيران أياما ثم تعود من جديد

تحليل معمق للنمط المتكرر من التصعيد والتهدئة في المواجهة الأمريكية الإيرانية، حيث تسود 'حرب الإيقاع' كاستراتيجية متعمدة لكلا الطرفين لتجنب الحرب الشاملة مع الحفاظ على الضغط التفاوضي. التقرير يستعرض الخلفية التاريخية، دوافع الأطراف، الانعكاسات الإقليمية، والسيناريوهات المستقبلية مع آراء خبراء وأرقام محدثة.

ملخص تنفيذي

تتسم المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بنمط متكرر من التصعيد والتهدئة، حيث لا تندلع حرب شاملة لكن الضربات المحدودة تتواصل بشكل دوري. هذا النمط يشبه "حرب الإيقاع" التي تستخدمها الأطراف لتحسين مواقفها التفاوضية واختبار الخطوط الحمراء، دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة. ورغم وجود اتفاقات مؤقتة لوقف الأنشطة القتالية، فإن هشاشة الثقة وتعدد الأطراف المسلحة في المنطقة يجعلان أي تهدئة قابلة للانهيار.

الخلفية التاريخية

تعود جذور التوتر بين واشنطن وطهران إلى عقود، لكنه تصاعد بشكل حاد بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018. منذ ذلك الحين، تطورت المواجهة لتشمل هجمات على ناقلات النفط وقواعد عسكرية ووكلاء إقليميين، دون أن تصل إلى حرب شاملة بسبب التكلفة العالية لكلا الجانبين. في عام 2019، استهدفت هجمات مجهولة منشآت نفطية سعودية، واتهمت واشنطن طهران بالمسؤولية. في يناير 2020، اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد، لترد إيران بقصف قاعدة عين الأسد الجوية الأمريكية في العراق. منذ ذلك الحين، تكررت الهجمات على القواعد الأمريكية في العراق وسوريا عبر فصائل موالية لإيران، كما استهدفت هجمات السفن التجارية في الخليج والبحر الأحمر.

دوافع ومصالح الأطراف

الولايات المتحدة حماية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر: تعبر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وأي تهديد يرفع أسعار النفط ويضر بالاقتصاد العالمي. منع إيران من امتلاك سلاح نووي: تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى أن إيران تمتلك يورانيوم مخصب بنسبة 60%، وهي خطوة قصيرة عن المستوى العسكري. احتواء النفوذ الإيراني في سوريا والعراق ولبنان واليمن: تدعم إيران مليشيات مثل حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين، مما يوسع نطاق نفوذها. تجنب حرب طويلة تستنزف الجيش والاقتصاد: وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية، قد تصل تكلفة حرب شاملة مع إيران إلى أرقام ضخمة.

إيران رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة: العقوبات الأمريكية خفضت صادرات إيران النفطية بشكل كبير، مما تسبب في تضخم مرتفع. الحفاظ على نفوذها الإقليمي عبر وكلائها: شبكة الوكلاء تشكل أداة ضغط وردع ضد إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة. تجنب انهيار اقتصادي داخلي: البطالة مرتفعة والاحتجاجات الداخلية تتصاعد بسبب الأوضاع المعيشية. إثبات قدرتها على الردع العسكري: تطوير صواريخ دقيقة وبعيدة المدى قادرة على الوصول إلى إسرائيل والقواعد الأمريكية.

شرح الحدث وأسبابه

التقارير الأخيرة تشير إلى اتفاق مؤقت لوقف الأنشطة القتالية واستئناف المحادثات، لكنه يأتي بعد اتهامات متبادلة بخرق التفاهمات. في مايو 2024، أفادت مصادر دبلوماسية بأن واشنطن وطهران أجرتا محادثات غير مباشرة في مسقط بوساطة عمانية، لكنها توقفت بعد هجوم على ناقلة نفط في البحر الأحمر. هذا يعكس هشاشة أي تهدئة واحتمال عودة الضربات إذا تعثرت المفاوضات أو وقع تصعيد ميداني جديد. الضربات المحدودة تستخدم كورقة ضغط تفاوضية، حيث يريد كل طرف تحسين موقفه قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

الانعكاسات الإقليمية والدولية

الخليج: تبقى القواعد الأمريكية عرضة للهجمات، مما يثير قلق دول الخليج من انزلاق المنطقة إلى حرب. السعودية والإمارات تسعيان إلى تطبيع العلاقات مع إيران عبر وساطات، لكن التوترات تعيق ذلك. العراق: ساحة للصراع بالوكالة، حيث تستهدف الفصائل الموالية لإيران القواعد الأمريكية. منذ أكتوبر 2023، شنت تلك الفصائل العديد من الهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على قواعد أمريكية، مما دفع واشنطن لشن ضربات انتقامية. سوريا: تواجد إيراني متزايد يهدد المصالح الإسرائيلية والأمريكية. إسرائيل تشن غارات جوية بشكل شبه أسبوعي على مواقع إيرانية في سوريا، مما يرفع احتمالية التصعيد. لبنان: حزب الله يوازن بين الردع والتجنب للحرب. يمتلك الحزب ترسانة صاروخية كبيرة قادرة على إغراق إسرائيل بوابل من النيران. البحر الأحمر ومضيق هرمز: تهديدات للملاحة الدولية ترفع تكاليف التأمين وأسعار النفط. في 2023، هاجم الحوثيون المدعومون من إيران سفناً تجارية في البحر الأحمر، مما دفع الولايات المتحدة لتشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة.

السيناريوهات المستقبلية

1. استمرار التهدئة مع مفاوضات متقطعة: احتمال 40%، حيث يفضل الطرفان الحوار لتجنب التصعيد. لكن المفاوضات ستكون صعبة بسبب المطالب المتضاربة. 2. العودة إلى الضربات المحدودة: احتمال 35%، إذا تعثرت المفاوضات أو حدث استفزاز مثل هجوم على دبلوماسيين أو منشآت نفطية. 3. انفجار مواجهة إقليمية أوسع: احتمال 25%، إذا حدث خطأ في الحسابات أو هجوم كبير على قاعدة أمريكية يؤدي إلى رد انتقامي واسع، مما قد يجر حزب الله وإسرائيل إلى الحرب.

المخاطر والفرص

مخاطر: انهيار التهدئة بسبب هجوم على سفينة أو قاعدة أو حليف، وتصعيد غير محسوب من الأطراف المسلحة مثل الحوثيين أو فصائل عراقية. أيضاً، احتمالية تسرب أسلحة متطورة إلى جماعات إرهابية. فرص: إحياء الاتفاق النووي وتخفيف التوتر عبر قنوات دبلوماسية، مع ضمانات للملاحة والنفوذ. يمكن أن يؤدي اتفاق مؤقت إلى تبادل السجناء وتجميد جزء من الأنشطة النووية مقابل تخفيف العقوبات.

خلاصة

المواجهة الأمريكية الإيرانية تدخل مرحلة "حرب الإيقاع"، حيث الضربات محدودة لكنها متكررة، والتهدئة هشة. الحل الدبلوماسي لا يزال ممكنا، لكنه يتطلب إرادة سياسية من الجانبين وثقة متبادلة غائبة حاليا. المنطقة تنتظر أي خطأ قد يحول الإيقاع إلى انفجار.

تحليل المحاور

1. لماذا لا يريد الطرفان حربا شاملة؟

التكلفة العسكرية باهظة لكلا الجانبين. الولايات المتحدة تخوض حروبا في الشرق الأوسط منذ عقود، وأي حرب جديدة ستستنزف مواردها. إيران تدرك أن حربا شاملة قد تدمر بنيتها التحتية وتضعف نظامها. كما أن الاقتصاد العالمي يعتمد على استقرار أسواق النفط، وأي تصعيد كبير قد يرفع الأسعار بشكل حاد، مما يضر بالجميع.

2. لماذا تستمر الضربات رغم الاتفاقات؟

الضربات المحدودة تستخدم كأداة لتحسين الموقف التفاوضي. كل طرف يريد إظهار قوته وردعه قبل الجلوس إلى الطاولة. كما أنها وسيلة لاختبار الخطوط الحمراء للآخر: ما الذي يمكن تجاوزه دون رد شامل؟ هذا النمط يخلق حالة من عدم اليقين، لكنه يبقي الصراع تحت السيطرة.

3. الشرق الأوسط أصبح ساحة رسائل

الخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر ومضيق هرمز كلها مسارح للصراع بالوكالة. هجمات على سفن وقواعد وعمليات تخريب تعكس رسائل متبادلة. هذه الرسائل ليست عشوائية، بل محسوبة لإيصال رسالة دون تجاوز العتبة التي تؤدي إلى حرب شاملة.

4. ماذا تريد واشنطن؟

واشنطن تسعى لحماية الملاحة ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي واحتواء نفوذها الإقليمي. لكنها تريد أيضا تجنب حرب طويلة تستنزفها لسنوات. لذلك تفضل الضربات المحدودة والضغط الاقتصادي عبر العقوبات.

5. ماذا تريد طهران؟

طهران تريد رفع العقوبات والحفاظ على نفوذها الإقليمي وتجنب انهيار اقتصادي. كما تريد إثبات قدرتها على الرد، مما يعزز موقفها التفاوضي. لكنها تدرك أن الحرب الشاملة قد تكون انتحارية.

6. لماذا ينهار وقف إطلاق النار بسرعة؟

أي هجوم على سفينة أو قاعدة أو حليف قد ينسف التهدئة. تعدد الأطراف المسلحة في المنطقة يجعل السيطرة على التصعيد صعبة. كما أن انعدام الثقة بين الطرفين يجعل أي تفاهم هشا، حيث يخشى كل طرف أن يستخدم الآخر التهدئة لتحسين موقفه.

7. ثلاثة سيناريوهات للأشهر المقبلة

استمرار التهدئة مع مفاوضات متقطعة: الأكثر احتمالا في المدى القصير، لكنها ستكون هشة. العودة إلى الضربات المحدودة: محتمل إذا فشلت المفاوضات أو حدث استفزاز. انفجار مواجهة إقليمية أوسع: احتمال أقل، لكنه يبقى قائما إذا أخطأ أحد الطرفين في الحسابات.

آراء الخبراء

يقول الدكتور محمد السعيد، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة: "المواجهة الحالية هي نتاج فشل الدبلوماسية الأمريكية في احتواء إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي. واشنطن تريد تغيير السلوك الإيراني دون تغيير النظام، وهو أمر صعب تحقيقه بالعقوبات وحدها".

أما الجنرال المتقاعد جيمس كونواي، القائد السابق للقوات البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، فيرى أن "التهديد الأكبر هو صواريخ إيران الدقيقة التي يمكنها إغراق السفن الحربية. أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى حرب لا يريدها أحد".

من جانبها، تقول الدكتورة نرجس بديعي، الباحثة في مركز الدراسات الإيرانية بطهران: "النظام الإيراني يستخدم الصراع كأداة لتحويل الانتباه عن الأزمات الداخلية. لكنه يعلم جيداً أن الحرب الشاملة تعني نهايته".

أرقام وبيانات

عدد الهجمات على القواعد الأمريكية في العراق وسوريا منذ 2023: العديد من الهجمات. نسبة التضخم في إيران: وفق المعطيات المتاحة، تجاوزت 40%. صادرات إيران النفطية: انخفضت بشكل كبير منذ 2018. تكلفة حرب شاملة محتملة: تقديرات تشير إلى أرقام ضخمة للولايات المتحدة. ترسانة حزب الله الصاروخية: تقدر بعشرات الآلاف من الصواريخ.

خلاصة

المواجهة الأمريكية الإيرانية تدخل مرحلة "حرب الإيقاع"، حيث الضربات محدودة لكنها متكررة، والتهدئة هشة. الحل الدبلوماسي لا يزال ممكنا، لكنه يتطلب إرادة سياسية من الجانبين وثقة متبادلة غائبة حاليا. المنطقة تنتظر أي خطأ قد يحول الإيقاع إلى انفجار.

رأي ستاف كوانتم

المواجهة الأمريكية الإيرانية تدخل مرحلة جديدة من الصراع المحدود لكن المستمر، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة لـ"حرب الإيقاع". هذا النمط يخدم أهداف الطرفين على المدى القصير: واشنطن تتجنب حربا شاملة وتحافظ على وجودها في المنطقة، وطهران تثبت قدرتها على الرد وتحافظ على نفوذها. لكن على المدى الطويل، هذا النمط غير مستدام.

التهديد الأكبر يكمن في احتمال وقوع خطأ في الحسابات. أي هجوم كبير على قاعدة أمريكية أو سفينة حربية قد يدفع واشنطن للرد بشكل أوسع، مما قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. كما أن تعدد الأطراف المسلحة في المنطقة يزيد من احتمالية حدوث استفزاز غير محسوب. فالحوثيون في اليمن، والمليشيات العراقية، وحزب الله في لبنان، كلهم يمتلكون أجنداتهم الخاصة التي قد لا تتوافق تماماً مع استراتيجية طهران. على سبيل المثال، في أكتوبر 2023، أطلق الحوثيون صواريخ باليستية نحو إسرائيل، مما كاد أن يجر إيران إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل. هذا النوع من التصعيد الذاتي يمكن أن يخرج عن سيطرة طهران ويؤدي إلى حريق إقليمي.

من ناحية أخرى، الفرصة ما زالت قائمة للدبلوماسية. إحياء الاتفاق النووي وتخفيف التوتر عبر قنوات دبلوماسية قد يكون حلا أفضل للجميع. لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية من الجانبين وثقة متبادلة غائبة حاليا. في غياب ذلك، ستبقى المنطقة تراوح بين التهدئة والتصعيد، مع استمرار معاناة الشعوب من تداعيات هذا الصراع. فالشعب الإيراني يعاني من عقوبات خانقة ترفع أسعار السلع الأساسية وتفاقم البطالة، بينما الجنود الأمريكيون في القواعد العراقية يعيشون تحت تهديد دائم بالهجمات. المدنيون في اليمن ولبنان وسوريا هم الأكثر تضرراً، فهم يدفعون ثمن صراع القوى الكبرى.

الخلاصة: لا حرب شاملة ولا سلام دائم، بل صراع محدود مستمر هو السمة الغالبة للمرحلة المقبلة. المنطقة تحتاج إلى حلول جذرية تعالج جذور التوتر، وليس مجرد اتفاقات مؤقتة للتهدئة. يجب أن تشمل هذه الحلول معالجة طموحات إيران النووية، وإعادة هيكلة الأمن الإقليمي ليشمل ضمانات لجميع الدول، وتعزيز التنمية الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط وتخفيف حدة الصراعات. لكن حتى ذلك الحين، سيبقى الشرق الأوسط على صفيح ساخن، ينتظر أي شرارة قد تشعل حرباً لا تُحمد عقباها.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من تحليلات

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →