شهدت مدينة ديار بكر، كبرى مدن جنوب شرق تركيا ومركز الثقل الكردي في البلاد، تظاهرة حاشدة يوم الأحد ضمت آلاف المواطنين الأكراد الذين رفعوا شعارات تطالب بالإفراج الفوري عن عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني المسجون منذ عام 1999.
المتظاهرون تجمعوا في ساحة المدينة الرئيسية حاملين صور أوجلان وأعلاماً كردية، وهتفوا بشعارات تدعو إلى إنهاء عزلة زعيمهم الذي يقضي عقوبة السجن المؤبد في جزيرة إمرالي قبالة سواحل إسطنبول. وتأتي هذه المظاهرة بعد أيام من دعوات أطلقها سياسيون ونشطاء أكراد لتكثيف الضغط على الحكومة التركية من أجل تحسين ظروف احتجاز أوجلان أو الإفراج عنه.
الاحتجاج لم يقتصر على المطالبة بالإفراج عن أوجلان فحسب، بل تضمن أيضاً مناشدات لاستئناف عملية السلام المتوقفة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، والتي انهارت في صيف عام 2015 بعد عامين من الهدنة. المتحدثون في المظاهرة شددوا على أن استمرار احتجاز أوجلان في عزلة تامة لا يسهم في حل النزاع المستمر منذ أربعة عقود.
قوات الأمن التركية كانت حاضرة بكثافة في محيط ساحة الاحتجاج، لكنها لم تتدخل لمنع التظاهرة التي جرت بشكل سلمي إلى حد كبير. ويأتي هذا في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة على خلفية العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا والعراق ضد وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
المظاهرة تعكس حالة من الإحباط المتنامي لدى الأكراد في تركيا إزاء غياب أي أفق سياسي لحل قضيتهم، لا سيما في ظل سياسة الحكومة التركية القاضية بتجريم أي شكل من أشكال النشاط السياسي الكردي. ففي الأشهر الأخيرة، شهدت عدة مدن كردية حملات توقيف واسعة طالت سياسيين وصحفيين ومحامين، بتهم تتعلق بالإرهاب والتحريض.
عبد الله أوجلان، البالغ من العمر 75 عاماً، كان قد أُسر في عملية استخباراتية عام 1999 وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى السجن المؤبد بعد إلغاء عقوبة الإعدام في تركيا. ورغم سجنه، لا يزال أوجلان يمثل رمزاً قوياً للأكراد، حيث يعتبره الكثيرون الزعيم الوحيد القادر على توجيه الحركة الكردية نحو حل سياسي.
الملف الكردي في تركيا يشكل أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط. ومع تصاعد التوترات الإقليمية وازدياد النفوذ الكردي في سوريا والعراق، تبدو أنقرة في موقف صعب يتطلب موازنة بين الضغوط الداخلية والخارجية. فمن جهة، ترفض الحكومة التركية التفاوض مع منظمة تصنفها إرهابية، ومن جهة أخرى، تدرك أن استمرار النزاع يكلفها خسائر بشرية ومادية كبيرة.
المراقبون يرون أن مظاهرة ديار بكر قد تكون بداية لموجة احتجاجات جديدة في المدن الكردية، إذا لم تبادر الحكومة إلى خطوات تخفيفية. لكن في ظل الأجواء السياسية المشحونة في تركيا قبل الانتخابات المحلية المقررة في مارس المقبل، يبدو أن أنقرة غير مستعدة لتقديم أي تنازلات قد تُقرأ كضعف في التعامل مع القضية الكردية.
التطورات في الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه المظاهرة ستظل حدثاً معزولاً أم ستتحول إلى حراك أوسع قد يغير من مسار السياسة التركية تجاه الأكراد.
