دولي

البرلمان الألماني يدرس العودة إلى التجنيد الإجباري لنقص المتطوعين بالجيش

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٧ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٤ م5 دقائق قراءة
البرلمان الألماني يدرس العودة إلى التجنيد الإجباري لنقص المتطوعين بالجيش

كشف رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الألماني أن بلاده قد تضطر لإعادة الخدمة العسكرية الإلزامية بسبب النقص الحاد في المتطوعين للجيش. يأتي هذا التصريح على خلفية تحديات أمنية متزايدة في أوروبا وتراجع أعداد الراغبين في الخدمة العسكرية.

ألمانيا تواجه أزمة في تجنيد الشباب للخدمة العسكرية، مما دفع مسؤولين كباراً إلى التفكير جدياً في العودة إلى نظام التجنيد الإجباري الذي تخلت عنه برلين عام 2011. توماس ريفيكامب، رئيس لجنة الدفاع في البوندستاغ، أعلن صراحة أن ألمانيا "قد تضطر للعودة إلى الخدمة الإلزامية" بسبب عدم كفاية أعداد المتطوعين لتلبية احتياجات الجيش.

التصريح الذي أدلى به ريفيكامب يمثل تحولاً لافتاً في الخطاب السياسي الألماني، حيث كانت قضية التجنيد الإجباري تعتبر من الملفات الحساسة والتي نادراً ما تُطرح على طاولة النقاش. الجيش الألماني، المعروف باسم البوندسفير، يعاني منذ سنوات من نقص مزمن في الأفراد، حيث تشير الإحصاءات إلى أن أعداد المجندين الجدد تتراجع سنوياً بنسبة تتراوح بين 5 إلى 10 بالمئة.

الأسباب التي تقف وراء هذا التراجع متعددة، وتشمل تغير النظرة الاجتماعية تجاه الخدمة العسكرية، حيث لم تعد تحظى بالمكانة نفسها التي كانت عليها في العقود السابقة. كما أن الظروف الاقتصادية المستقرة نسبياً في ألمانيا جعلت الشباب يفضلون الالتحاق بسوق العمل أو التعليم الجامعي بدلاً من قضاء فترة خدمة عسكرية.

التحول في البيئة الأمنية الأوروبية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا شكل ضغطاً إضافياً على الجيش الألماني، الذي تعهد بزيادة إنفاقه الدفاعي إلى 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتطلب أيضاً زيادة في عدد الجنود. ومع ذلك، يبدو أن تحقيق هذا الهدف يواجه عقبات كبيرة في ظل عدم وجود إقبال كافٍ على الخدمة التطوعية.

نظام التجنيد الإجباري في ألمانيا كان معمولاً به منذ الحرب العالمية الثانية، لكنه توقف رسمياً في يوليو 2011. وقتها، اعتبر القرار خطوة نحو تحديث الجيش وجعله أكثر مهنية. لكن مع تغير الظروف، يعود الجدل حول إعادة العمل به.

الخطوة المقترحة تواجه تحديات قانونية وسياسية كبيرة. فمن الناحية القانونية، تتطلب العودة إلى التجنيد الإجباري تعديلات دستورية وقوانين جديدة. ومن الناحية السياسية، هناك انقسام واضح بين الأحزاب، حيث يعارض حزب الخضر واليسار بشدة أي حديث عن العودة إلى الخدمة الإلزامية.

الرأي العام الألماني أيضاً منقسم حول هذه القضية. استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر أن غالبية الألمان لا تؤيد العودة إلى التجنيد الإجباري، خاصة بين فئة الشباب الذين يرون أن الخدمة العسكرية تقيد حرياتهم الشخصية وتؤخر خططهم المهنية.

على الصعيد العملي، حتى لو تم اتخاذ قرار سياسي بالعودة إلى التجنيد الإجباري، فإن تنفيذه قد يستغرق سنوات بسبب الحاجة إلى بناء البنية التحتية اللازمة وتدريب المدربين وتوفير المعدات. الجيش الألماني يواجه أيضاً مشكلة في الحفاظ على جاهزيته الحالية، حيث تعاني بعض الوحدات من نقص في العتاد والذخيرة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك اعتبارات تتعلق بالرفض الضميري للخدمة العسكرية، وهو حق مكفول في القانون الألماني. في حال العودة إلى التجنيد الإجباري، سيكون هناك حاجة إلى آليات للتعامل مع من يرفضون الخدمة لأسباب أخلاقية أو دينية.

التصريحات الأخيرة تأتي في سياق أوسع من المناقشات الأوروبية حول تعزيز القدرات الدفاعية. دول أخرى في القارة، مثل السويد والنرويج، عادت بالفعل إلى نظام التجنيد الإجباري في السنوات الأخيرة بعد أن كانت قد تخلت عنه. تجارب هذه الدول قد توفر دروساً لألمانيا إذا قررت السير في الاتجاه نفسه.

في النهاية، قرار العودة إلى التجنيد الإجباري ليس مجرد مسألة عسكرية، بل هو قرار استراتيجي بامتياز يعكس رؤية ألمانيا لدورها في أوروبا والعالم. النقاش حول هذا الموضوع مرشح للتصاعد في الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 2025.

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

تصريح رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الألماني حول إمكانية العودة إلى التجنيد الإجباري ليس مجرد خبر عسكري عابر، بل هو مؤشر على تحول جذري في مفهوم الأمن القومي الألماني بعد عقود من الاعتماد على الجيش الاحترافي. هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة التهديدات التي تواجهها ألمانيا وأوروبا، وكيفية استجابة الديمقراطيات الغربية لتحديات أمنية غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.

أولاً، السياق التاريخي: تخلت ألمانيا عن التجنيد الإجباري في 2011 في ذروة التفاؤل بعالم خالٍ من الحروب الكبرى في أوروبا. لكن الغزو الروسي لأوكرانيا قلب هذه المعادلة رأساً على عقب، وأظهر أن السلام في القارة ليس مضموناً. العودة إلى النقاش حول الخدمة الإلزامية تشير إلى أن برلين تدرك الآن حجم الفجوة في قدراتها الدفاعية.

ثانياً، البعد الاقتصادي: الجيش الاحترافي مكلف، لكنه في حالة ألمانيا يعاني أيضاً من عدم كفاية الأعداد. التجنيد الإجباري قد يقلص تكاليف الرواتب لكنه يزيد الأعباء اللوجستية والتدريبية. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع ألمانيا تحمل تكاليف إعادة بناء نظام تجنيد شامل في وقت تعاني فيه ميزانيتها من ضغوط متزايدة بسبب الإنفاق على الطاقة والتحول المناخي؟

ثالثاً، البعد الاجتماعي: المجتمع الألماني تغير بشكل كبير منذ الحرب الباردة. الخدمة العسكرية لم تعد طقوس عبور للرجال، وأصبحت قضية المساواة بين الجنسين تفرض نفسها. أي نظام تجنيد جديد سيواجه تحديات تتعلق بالشمولية والمساواة، وقد يثير احتجاجات واسعة من فئات الشباب.

رابعاً، البعد السياسي: تصريح ريفيكامب ليس سياسة حكومية رسمية بعد، لكنه يفتح الباب لنقاش قد ينقسم حوله الائتلاف الحاكم. المستشار أولاف شولتس وحزبه الاشتراكي الديمقراطي يبديان حذراً، في حين أن حزب الخضر يعارض الفكرة بشدة. هذا الانقسام قد يعرقل أي تحرك فعلي في المستقبل المنظور.

التوقعات المستقبلية: من المرجح أن تستمر ألمانيا في اتباع نهج تدريجي، يبدأ بتوسيع نطاق الخدمة التطوعية وتحسين شروطها، قبل الانتقال إلى أي شكل من أشكال الإلزام. لكن إذا استمرت معدلات التطوع في الانخفاض، وازدادت التوترات الأمنية، فقد نرى تعديلات دستورية بحلول نهاية العقد الحالي.

الدرس المستفاد: ألمانيا تكتشف أن الأمن لا يمكن شراؤه فقط بالمال، بل يحتاج إلى التزام مجتمعي. النقاش حول التجنيد الإجباري هو في جوهره نقاش حول التضامن الوطني في عصر الأزمات المتعددة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من دولي

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →