في مشهد يختزل تعقيدات الهوية في عالم معولم، سجل المهاجم السنغالي إبراهيم مباي هدفاً في مرمى المنتخب الفرنسي خلال مباراة جمعت بين البلدين في 16 يونيو من العام الماضي ضمن منافسات كأس العالم. لم يكن الهدف مجرد نقطة في جدول الترتيب، بل كان تجسيداً لظاهرة آخذة في الاتساع: لاعبون يختارون تمثيل دول لم يولدوا فيها، بل تعود جذور أسرهم إليها.
مباي، المولود في فرنسا لأبوين سنغاليين، هو واحد من عشرات اللاعبين في البطولة الذين قرروا حمل قمصان منتخبات غير بلدان ميلادهم. وفقاً لإحصاءات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، شارك في النسخة الأخيرة من المونديال أكثر من 130 لاعباً من أصل 832 في هذه الفئة، أي ما يعادل 15.6% من إجمالي المشاركين. الرقم يمثل زيادة ملحوظة مقارنة بالنسخ السابقة، حيث لم تتجاوز النسبة 12% في مونديال 2018.
هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، لكنها تكتسب زخماً متسارعاً مع تزايد موجات الهجرة والتنقل بين القارات. ففي بطولة 2022، ضمت تشكيلة المغرب 14 لاعباً مولودين في الخارج، بينهم نجوم مثل حكيم زياش (هولندا) ونصير مزراوي (هولندا) وأشرف حكيمي (إسبانيا). المنتخب السنغالي نفسه ضم 9 لاعبين مولودين في فرنسا، بينهم إدوارد ميندي وكاليدو كوليبالي.
الأسباب التي تدفع هؤلاء اللاعبين إلى اختيار تمثيل بلدان آبائهم أو أجدادهم متعددة. بالنسبة للبعض، الأمر يتعلق بالهوية والانتماء العاطفي، حيث يشعرون بارتباط قوي بجذورهم الثقافية والعائلية. يقول اللاعب الجزائري المولود في فرنسا، إسلام سليماني: "لطالما شعرت بأن دمي جزائري، حتى لو أن جسدي ولد في فرنسا. تمثيل الجزائر ليس مجرد خيار كروي، بل هو إعلان هوية".
من ناحية أخرى، هناك عوامل عملية تدفع اللاعبين إلى هذا الخيار، أبرزها فرص المشاركة في البطولات الكبرى. ففي ظل المنافسة الشرسة على مقاعد المنتخبات الأوروبية العريقة، يجد اللاعبون الموهوبون أن طريقهم إلى المونديال أسهل عبر تمثيل دول ذات قاعدة كروية أقل اتساعاً. هذا ما يفسر وجود لاعبين من أصول أفريقية وآسيوية في منتخبات أوروبية، لكن العكس يحدث أيضاً عندما يختار لاعبون ذوو أصول أوروبية تمثيل دول نامية.
اللوائح التي وضعها الفيفا لتنظيم هذه المسألة واضحة: يحق للاعب تمثيل منتخب بلد ميلاده أو بلد جذور أحد والديه أو أجداده، شريطة ألا يكون قد لعب مباراة رسمية مع منتخب آخر قبل سن 21 عاماً. لكن هذه القواعد شهدت تعديلات في السنوات الأخيرة، مما سمح بتغيير الجنسية الكروية مرة واحدة فقط بشرط موافقة الاتحادين المعنيين.
الآثار المترتبة على هذه الظاهرة متعددة الأوجه. على المستوى الفني، تكتسب المنتخبات التي تستقطب لاعبين من المهاجرين جودة إضافية، حيث يجمعون بين مهارات متطورة من أكاديميات أوروبية وروح قتالية عالية. المنتخب المغربي الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم 2022 هو خير مثال على ذلك، حيث كان 14 من لاعبيه من أبناء المهاجرين.
على المستوى الاجتماعي، تعزز هذه الظاهرة فكرة الهوية المرنة التي تتجاوز الحدود الجغرافية، وتخلق جسوراً ثقافية بين المجتمعات. في المقابل، تثير تساؤلات حول مفهوم الوطنية في عالم تتزايد فيه حركة الأفراد عبر الحدود.
ومع ذلك، لا تخلو الظاهرة من انتقادات. يرى البعض أنها قد تؤدي إلى تقويض فكرة المنتخب الوطني كتجسيد للدولة القومية، وتحوله إلى فريق من المرتزقة. لكن الواقع يظهر أن معظم هؤلاء اللاعبين يقدمون أداءً يليق بمنتخباتهم، ويحظون بقبول جماهيري واسع في بلدانهم الجديدة.
في النهاية، تظل ظاهرة تمثيل اللاعبين لدول الجذور في كأس العالم انعكاساً لتحولات أوسع في عالمنا المعولم، حيث لم تعد الهوية محددة بمكان الولادة بقدر ما هي نتاج تشابك الخيوط الثقافية والاجتماعية والتاريخية.
