في خطوة استراتيجية تعيد تشكيل المشهد الإعلامي الأميركي والعالمي، أعلنت شركة كومكاست العملاقة عن خططها لفصل نفسها إلى شركتين مستقلتين مدرجتين في البورصة، عبر تدوير ذراعيها الإعلاميين إن بي سي يونيفرسال وسكاي في كيان منفصل. تهدف هذه الخطوة إلى حماية عمليات النطاق العريض والاتصالات اللاسلكية المربحة، والتي ستحتفظ باسم كومكاست، مع تحويل الأصول الإعلامية والترفيهية إلى شركة جديدة تحمل اسم إن بي سي يونيفرسال.
من المتوقع أن تستغرق عملية الفصل قرابة عام كامل، وبعد اكتمالها سيمتلك مساهمو كومكاست الحاليون أسهماً في كل من الشركتين. ووفقاً للبيان الرسمي، سيبقى الرئيس التنفيذي الحالي برايان روبرتس على رأس كومكاست الجديدة مع دور نشط في إن بي سي يونيفرسال. تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه صناعة الإعلام التقليدي ضغوطاً غير مسبوقة من منصات البث الرقمي مثل نتفليكس وديزني بلس، بالإضافة إلى عمليات الدمج والاستحواذ التي أعادت تشكيل القطاع.
تمثل كومكاست حالياً نموذجاً للتكتل الإعلامي الضخم الذي يضم تحت مظلته شبكات الكابل وخدمات الإنترنت ومنتجعات ثيم بارك واستوديوهات الأفلام. لكن مع تغير عادات المشاهدة وتراجع الاشتراكات في حزم القنوات الفضائية التقليدية، ارتفعت الضغوط على الأقسام الإعلامية لصالح الخدمات التي تدر أرباحاً ثابتة مثل النطاق العريض. ووفقاً للتقارير المالية الأخيرة، حققت وحدة النطاق العريض والاتصالات في كومكاست إيرادات تتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، بينما تعاني وحدات البث من تقلبات الإعلانات وتكاليف المحتوى المرتفعة.
القرار الجديد ليس الأول من نوعه في القطاع، إذ سبق لشركات إعلامية أخرى مثل إيه تي آند تي وفيرايزون أن اتخذت خطوات مشابهة بفصل أصولها الإعلامية عن أعمال الاتصالات. لكن ما يميز خطوة كومكاست هو حجم الأصول المنقولة، التي تشمل شبكة سكاي الأوروبية واستوديوهات يونيفرسال ومنتزهاتها الترفيهية. هذا التقسيم يسمح للمستثمرين بتقييم كل كيان على حدة، ما قد يرفع القيمة السوقية الإجمالية للتكتل.
من الناحية العملية، ستركز كومكاست الجديدة على تقديم خدمات الإنترنت والهاتف والتلفزيون الثابت، بينما ستركز إن بي سي يونيفرسال على إنتاج المحتوى وترخيصه وقنوات البث التقليدية والرقمية. مع ذلك، تبقى التحديات كبيرة أمام الكيان الجديد، خاصة في ظل استمرار تراجع مشاهدة التلفزيون التقليدي وارتفاع تكاليف إنتاج المحتوى الأصلي.
وتشير تقديرات المحللين إلى أن عملية الفصل قد تكلف الشركة مئات الملايين من الدولارات، لكنها قد تؤدي إلى توفير سنوي يصل إلى 2 مليار دولار بعد اكتمالها. كما ستسمح لكل كيان بإجراء استثمارات أكثر تركيزاً في مجالاته الأساسية، مثل توسيع شبكات الألياف الضوئية من جهة، والاستثمار في المحتوى الحصري من جهة أخرى.
على الصعيد التنظيمي، يحتاج القرار إلى موافقة هيئة الأوراق المالية والبورصات، إضافة إلى موافقة المساهمين. ومن المتوقع أن تواجه العملية تدقيقاً من المنظمين المعنيين بمكافحة الاحتكار، رغم أن الشركة تؤكد أن الفصل لن يغير هيكل السوق الحالي.
في سياق متصل، يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تشجع شركات إعلامية أخرى على اتخاذ قرارات مماثلة، خاصة تلك التي تجمع بين أعمال البنية التحتية والمحتوى. ففي السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب إدارة كيان واحد يجمع بين خدمات النطاق العريض التي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وإنتاج المحتوى المتقلب الذي يعتمد على الذوق العام والإعلانات.
مع اكتمال عملية الفصل، ستصبح كومكاست شركة اتصالات وبنية تحتية بحتة، بينما ستركز إن بي سي يونيفرسال على المنافسة في سوق الترفيه العالمي. يبقى السؤال: هل ستتمكن الكيانان من تجاوز التحديات التي أضعفت التكتل الأم في السنوات الأخيرة؟ الإجابة ستتضح خلال العامين المقبلين، مع ظهور نتائج الفصل على البيانات المالية.
