تكنولوجيا

كومكاست تقسم أعمالها إلى كيانين مستقلين لحماية قطاع النطاق العريض

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٩ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٣٦ ص5 دقائق قراءة
كومكاست تقسم أعمالها إلى كيانين مستقلين لحماية قطاع النطاق العريض

أعلنت شركة كومكاست الأميركية عن خطط لفصل أعمالها الإعلامية عن خدمات النطاق العريض والاتصالات اللاسلكية، عبر تدوير أصول إن بي سي يونيفرسال وسكاي في شركة مستقلة. تهدف الخطوة إلى حماية العلامة التجارية الأكثر ربحية من ضغوط المنافسة المتزايدة في قطاع البث.

في خطوة استراتيجية تعيد تشكيل المشهد الإعلامي الأميركي والعالمي، أعلنت شركة كومكاست العملاقة عن خططها لفصل نفسها إلى شركتين مستقلتين مدرجتين في البورصة، عبر تدوير ذراعيها الإعلاميين إن بي سي يونيفرسال وسكاي في كيان منفصل. تهدف هذه الخطوة إلى حماية عمليات النطاق العريض والاتصالات اللاسلكية المربحة، والتي ستحتفظ باسم كومكاست، مع تحويل الأصول الإعلامية والترفيهية إلى شركة جديدة تحمل اسم إن بي سي يونيفرسال.

من المتوقع أن تستغرق عملية الفصل قرابة عام كامل، وبعد اكتمالها سيمتلك مساهمو كومكاست الحاليون أسهماً في كل من الشركتين. ووفقاً للبيان الرسمي، سيبقى الرئيس التنفيذي الحالي برايان روبرتس على رأس كومكاست الجديدة مع دور نشط في إن بي سي يونيفرسال. تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه صناعة الإعلام التقليدي ضغوطاً غير مسبوقة من منصات البث الرقمي مثل نتفليكس وديزني بلس، بالإضافة إلى عمليات الدمج والاستحواذ التي أعادت تشكيل القطاع.

تمثل كومكاست حالياً نموذجاً للتكتل الإعلامي الضخم الذي يضم تحت مظلته شبكات الكابل وخدمات الإنترنت ومنتجعات ثيم بارك واستوديوهات الأفلام. لكن مع تغير عادات المشاهدة وتراجع الاشتراكات في حزم القنوات الفضائية التقليدية، ارتفعت الضغوط على الأقسام الإعلامية لصالح الخدمات التي تدر أرباحاً ثابتة مثل النطاق العريض. ووفقاً للتقارير المالية الأخيرة، حققت وحدة النطاق العريض والاتصالات في كومكاست إيرادات تتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، بينما تعاني وحدات البث من تقلبات الإعلانات وتكاليف المحتوى المرتفعة.

القرار الجديد ليس الأول من نوعه في القطاع، إذ سبق لشركات إعلامية أخرى مثل إيه تي آند تي وفيرايزون أن اتخذت خطوات مشابهة بفصل أصولها الإعلامية عن أعمال الاتصالات. لكن ما يميز خطوة كومكاست هو حجم الأصول المنقولة، التي تشمل شبكة سكاي الأوروبية واستوديوهات يونيفرسال ومنتزهاتها الترفيهية. هذا التقسيم يسمح للمستثمرين بتقييم كل كيان على حدة، ما قد يرفع القيمة السوقية الإجمالية للتكتل.

من الناحية العملية، ستركز كومكاست الجديدة على تقديم خدمات الإنترنت والهاتف والتلفزيون الثابت، بينما ستركز إن بي سي يونيفرسال على إنتاج المحتوى وترخيصه وقنوات البث التقليدية والرقمية. مع ذلك، تبقى التحديات كبيرة أمام الكيان الجديد، خاصة في ظل استمرار تراجع مشاهدة التلفزيون التقليدي وارتفاع تكاليف إنتاج المحتوى الأصلي.

وتشير تقديرات المحللين إلى أن عملية الفصل قد تكلف الشركة مئات الملايين من الدولارات، لكنها قد تؤدي إلى توفير سنوي يصل إلى 2 مليار دولار بعد اكتمالها. كما ستسمح لكل كيان بإجراء استثمارات أكثر تركيزاً في مجالاته الأساسية، مثل توسيع شبكات الألياف الضوئية من جهة، والاستثمار في المحتوى الحصري من جهة أخرى.

على الصعيد التنظيمي، يحتاج القرار إلى موافقة هيئة الأوراق المالية والبورصات، إضافة إلى موافقة المساهمين. ومن المتوقع أن تواجه العملية تدقيقاً من المنظمين المعنيين بمكافحة الاحتكار، رغم أن الشركة تؤكد أن الفصل لن يغير هيكل السوق الحالي.

في سياق متصل، يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تشجع شركات إعلامية أخرى على اتخاذ قرارات مماثلة، خاصة تلك التي تجمع بين أعمال البنية التحتية والمحتوى. ففي السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب إدارة كيان واحد يجمع بين خدمات النطاق العريض التي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وإنتاج المحتوى المتقلب الذي يعتمد على الذوق العام والإعلانات.

مع اكتمال عملية الفصل، ستصبح كومكاست شركة اتصالات وبنية تحتية بحتة، بينما ستركز إن بي سي يونيفرسال على المنافسة في سوق الترفيه العالمي. يبقى السؤال: هل ستتمكن الكيانان من تجاوز التحديات التي أضعفت التكتل الأم في السنوات الأخيرة؟ الإجابة ستتضح خلال العامين المقبلين، مع ظهور نتائج الفصل على البيانات المالية.

رأي ستاف كوانتم

قرار كومكاست بفصل أصولها الإعلامية عن خدمات النطاق العريض ليس مجرد إعادة هيكلة نمطية، بل هو اعتراف ضمني بفشل نموذج التكتل الإعلامي في عصر البث الرقمي. لسنوات، سعت الشركات العملاقة إلى الجمع بين البنية التحتية والمحتوى لتحقيق التكامل الرأسي، لكن الواقع أظهر أن كل قطاع يتطلب استراتيجيات وثقافات مؤسسية مختلفة تماماً.

من الناحية التاريخية، يعود نموذج التكتل الإعلامي إلى عقود مضت، حيث سيطرت شركات مثل كومكاست على سلاسل القيمة بأكملها من الإنتاج إلى التوزيع. لكن مع ظهور منصات البث المباشر مثل نتفليكس ويوتيوب، أصبحت مسألة التفوق التكنولوجي في البث منفصلة عن جودة المحتوى. المستهلكون اليوم لا يهتمون بمن يملك الكابل الذي يصل إلى منازلهم بقدر اهتمامهم بالمحتوى الذي يشاهدونه.

اقتصادياً، يبدو القرار ذكياً من منظور تعظيم قيمة المساهمين. فوحدات النطاق العريض تحقق أرباحاً مستقرة وهوامش ربح عالية، بينما تواجه وحدات الإعلام تقلبات حادة في الإيرادات الإعلانية وتكاليف إنتاج المحتوى المتصاعدة. فصل هذين القطاعين سيمكن المستثمرين من تقييم كل منهما وفق مقاييسه الخاصة، بدلاً من الخلط بينهما.

سياسياً، يأتي هذا القرار في وقت تتصاعد فيه الدعوات لتنظيم منصات البث الكبرى وتشديد قوانين مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة وأوروبا. فبفصل الأصول الإعلامية، قد تتجنب كومكاست ضغوطاً تنظيمية مستقبلية كانت قد تواجهها ككيان واحد يسيطر على التوزيع والمحتوى.

أما على الصعيد الإقليمي، فالقرار يعزز الاتجاه العالمي نحو التخصص في قطاعي الإعلام والاتصالات. في الشرق الأوسط، قد نرى شركات إعلامية كبرى تتخذ خطوات مماثلة، خاصة تلك التي تمتلك شبكات بث تقليدية وخدمات إنترنت في آن واحد. لكن البيئة التنظيمية في المنطقة، التي تفضل غالباً الكيانات المتكاملة، قد تحد من هذا التوجه.

توقعات مستقبلية: من المرجح أن تشهد الأشهر المقبلة إعلانات مشابهة من شركات إعلامية أخرى، خاصة تلك التي تعاني من ضعف أداء أقسامها الإعلامية مقارنة بأعمال الاتصالات. كما قد يؤدي الفصل إلى موجة من عمليات الدمج والاستحواذ في قطاع الإعلام، حيث ستصبح إن بي سي يونيفرسال الجديدة هدفاً جذاباً لشركات أخرى مثل أبل أو أمازون.

في النهاية، يعيد قرار كومكاست تعريف حدود صناعتي الإعلام والاتصالات، ويؤكد أن المستقبل سيكون للتخصص والتركيز بدلاً من التوسع المفرط.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من تكنولوجيا

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →