في اكتشاف فلكي جديد يضاف إلى سلسلة العجائب الكونية، أعلن فريق من علماء الفلك عن تأكيد وجود كوكبين نادرين يُصنفان ضمن فئة "السوبر باف" أو "المنتفخات فائقة الخفة"، وهما كوكبان يتميزان بانخفاض كثافتهما إلى درجة مذهلة تجعلهما أقل كثافة من حلوى القطن. وعلى الرغم من أن حجم هذين الكوكبين يقارب حجم كوكب المشتري، عملاق المجموعة الشمسية، إلا أن كثافتهما المنخفضة للغاية تجعلهما أخف وزناً حتى من الحلوى القطنية التي اعتدنا عليها في المهرجانات.
ويدور هذان الكوكبان حول نجمين مختلفين، لكنهما يشتركان في علاقة مدارية نادرة، حيث يقعان في نظام نجمي واحد. هذا الترتيب المداري الفريد، إلى جانب الغلاف الجوي الضخم والمنتفخ لكل منهما، يمنح العلماء فرصة ثمينة لفهم آليات نشوء وتطور مثل هذه الكواكب الغريبة التي تتحدى النماذج التقليدية لتشكل الكواكب.
وتعد الكواكب من نوع "السوبر باف" من أكثر أنواع الكواكب الخارجية غرابة، فهي تمتلك أحجاماً كبيرة جداً مقارنة بكتلها المنخفضة، مما يجعلها تشبه كرات ضخمة من الغاز الخفيف. ويعتقد العلماء أن هذه الكواكب تتكون أساساً من غازات خفيفة مثل الهيدروجين والهيليوم، مع كميات ضئيلة من العناصر الأثقل. لكن اللافت للنظر هو أن كثافتها المنخفضة للغاية تشير إلى أن غلافها الجوي يمتد إلى مسافات شاسعة حول نواتها الصخرية الصغيرة.
واستخدم فريق البحث مجموعة من التلسكوبات الأرضية والفضائية لدراسة هذين الكوكبين، وركزوا على تحليل الضوء الذي يمر عبر غلافيهما الجويين أثناء عبورهما أمام نجميهما المضيفين. هذا التحليل، المعروف بطيف العبور، سمح للعلماء بتحديد التركيب الكيميائي للغلاف الجوي وقياس كثافته بدقة.
وتكشف النتائج الأولية أن هذين الكوكبين يمتلكان أغلفة جوية ممتدة تتكون أساساً من الهيدروجين والهيليوم، مع وجود كميات من بخار الماء والميثان. لكن ما زاد من حيرة العلماء هو أن الغلاف الجوي يبدو أكثر انتفاخاً مما توقعت النماذج النظرية، مما يشير إلى وجود آليات فيزيائية غير مفهومة بعد تجعل هذه الكواكب تحتفظ بغلافها الجوي المنتفخ على الرغم من قربها من نجومها.
وتثير هذه النتائج تساؤلات عميقة حول كيفية تمكن هذه الكواكب من الاحتفاظ بغلافها الجوي الهائل رغم تعرضها للإشعاع الشديد من نجومها الأم. ففي النماذج التقليدية، تفقد الكواكب القريبة من نجومها غلافها الجوي بسرعة بفعل الرياح النجمية والإشعاع. لكن يبدو أن هذه الكواكب "السوبر باف" تمتلك آليات حماية غامضة تسمح لها بالبقاء على قيد الحياة.
وتشير إحدى الفرضيات إلى أن هذه الكواكب قد تكون تشكلت بعيداً عن نجومها ثم هاجرت إلى الداخل، مما منحها الوقت الكافي لبناء غلاف جوي ضخم قبل أن تقترب من نجمها. فرضية أخرى تقول إن هذه الكواكب قد تكون نتاج تصادمات بين كواكب أصغر، مما أدى إلى إطلاق كميات هائلة من الغاز شكلت غلافاً جوياً عملاقاً.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة في مسعى البشرية لفهم تنوع الكواكب في مجرتنا. فمع تزايد عدد الكواكب الخارجية المكتشفة، يزداد إدراكنا بأن الكون يحتضن عالماً من الاحتمالات التي تتجاوز خيالنا. وتعد الكواكب "السوبر باف" بمثابة مختبرات طبيعية لاختبار نظرياتنا حول تشكل الكواكب وتطورها.
ويخطط فريق البحث الآن لإجراء المزيد من الأرصاد باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي، الذي يمتلك قدرة فريدة على تحليل الأغلفة الجوية للكواكب الخارجية بتفصيل غير مسبوق. ويأمل العلماء أن تكشف هذه الأرصاد عن أسرار جديدة حول طبيعة هذه الكواكب الغريبة، وقد تقدم أدلة على وجود كواكب مماثلة في أنظمة نجمية أخرى.
في النهاية، يذكرنا هذا الاكتشاف بأن الكون لا يزال يحمل الكثير من المفاجآت، وأن كل كوكب جديد نكتشفه يفتح أمامنا نافذة على عوالم لم نكن نتخيلها من قبل. ومع تقدم التكنولوجيا، سنتمكن من كشف المزيد من أسرار هذه العوالم البعيدة، وربما نجد إجابات عن أسئلة وجودية حول مكاننا في الكون.
