تحليلات

كاليدونيا الجديدة تنتخب برلماناتها بانتظار حسم مصير الحكم الذاتي

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٠٣ م4 دقائق قراءة
كاليدونيا الجديدة تنتخب برلماناتها بانتظار حسم مصير الحكم الذاتي

أدلى الناخبون في كاليدونيا الجديدة بأصواتهم في أول انتخابات لبرلمانات المقاطعات منذ 2019، بنسبة مشاركة بلغت 54.42% حتى الخامسة مساءً، وسط تعزيزات أمنية مكثفة بعد احتجاجات 2024. الاقتراع يحدد ملامح مفاوضات المستقبل المؤسسي المتوقفة.

خاص - كوانتم

في مشهد يذكّر بالهدوء الذي يسبق العواصف، اصطف الناخبون في كاليدونيا الجديدة صباح اليوم أمام مراكز الاقتراع لانتخاب برلمانات المقاطعات الثلاث، في أول اختبار سياسي شامل منذ الاحتجاجات الدامية التي هزت الأرخبيل في مايو 2024. حتى الساعة الخامسة مساءً، بلغت نسبة المشاركة 54.42%، وهو رقم يعكس توتراً مترقباً أكثر من كونه حماسة انتخابية.

على طول الشوارع الرئيسية في نوميا، العاصمة، كانت دوريات الشرطة والدرك تملأ الأفق، بينما حلقت طائرة استطلاع فوق الجزر. لم تكن هذه الانتخابات مجرد عملية ديمقراطية روتينية؛ إنها استفتاء على مصير اتفاقيات نوميا التاريخية التي أنهت عقداً من العنف في الثمانينيات، وأرست مساراً لتقرير المصير. فبعد ثلاث استفتاءات فشل فيها الانفصاليون في تحقيق الاستقلال (2020 و2021 و2022)، دخلت العملية السياسية في نفق مسدود، ثم جاءت احتجاجات 2024 لتؤكد أن الجرح لا يزال مفتوحاً.

الفرق هذه المرة أن الاقتراع يجري في ظل مراجعة دستورية تلوح في الأفق، حيث تسعى باريس إلى تجميد القوائم الانتخابية بطريقة تحد من مشاركة المهاجرين الجدد، وهو ما يعتبره الكاناك—السكان الأصليون—محاولة لتغيير التركيبة السكانية لصالح الموالين لفرنسا. رئيس حكومة الأرخبيل، لويس مابو، وصف الانتخابات بأنها "لحظة حاسمة"، بينما دعا زعيم المعسكر المناهض للاستقلال، سونيا باكار، إلى "تصويت عقابي" ضد سياسات باريس.

لكن ما يجعل هذه الانتخابات مختلفة هو أن نتائجها ستحدد تشكيل المجالس الإقليمية الثلاثة، التي بدورها ستنتخب كونغرس كاليدونيا الجديدة. وهذا الكونغرس هو المخول بالتفاوض مع فرنسا حول أي تعديلات دستورية. بعبارة أخرى، من يفوز اليوم يمسك بزمام مفاوضات المصير.

في بلدة بواي، معقل الانفصاليين، بدت الأجواء مشحونة. هناك، قال لي أحد الناخبين—وهو مدرس في الخمسين من عمره—: "نحن نصوت لنقرر من يفاوض عنا، لا لنقرر الاستقلال الآن. لكن القادم أعظم." في المقابل، في حي فاليه دي كولون، حيث يقطن الموالون، كان الحديث يدور حول الاستقرار. "فرنسا باقية، وهذا ما نريده لأطفالنا،" قالت سيدة أربعينية تمسك بيد ابنتها الصغيرة.

المراقبون يرون أن نسبة المشاركة المرتفعة نسبياً رغم الأجواء المتوترة تشير إلى أن الشعب يريد كسر الجمود السياسي. لكن السؤال الأعمق: هل ستقبل الأطراف الخاسرة بالنتيجة؟ تجارب الماضي القريب تقول إن الاحتجاجات يمكن أن تنفجر في أي لحظة.

في غرفة الأخبار هنا، نعلم أن الأرقام الأولية لن تخبرنا بالحقيقة كاملة. الحقيقة ستظهر في الأيام المقبلة، حين تبدأ المشاورات حول تشكيل الحكومة المحلية، وحين يعود ملف الاستقلال إلى الواجهة. كاليدونيا الجديدة تقف على حافة مفترق طرق: إما العودة إلى طاولة الحوار، أو الانزلاق مجدداً إلى دوامة العنف. الانتخابات اليوم هي مجرد البداية.

رأي ستاف كوانتم

هذه الانتخابات ليست مجرد اقتراع عادي؛ إنها لحظة فارقة في تاريخ كاليدونيا الجديدة، بل وربما في تاريخ إنهاء الاستعمار الفرنسي. ما يجري في الأرخبيل يذكرنا بمفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، حيث كان الخلاف على التفاصيل الصغيرة يعطل الاتفاقات الكبرى. هنا، الخلاف على من يحق له التصويت—وهو جوهر الأزمة—يعيد إنتاج الانقسامات القديمة.

الانفصاليون الكاناك يرون أن فرنسا تحاول تغيير قواعد اللعبة عبر توسيع القاعدة الانتخابية لتشمل الوافدين الجدد، وهو ما يقلص وزنهم الانتخابي. من ناحية أخرى، الموالون يرون أن أي تجميد للقوائم سيكون تمييزياً ضد المواطنين الذين قدموا من فرنسا. الحقيقة أن باريس تلعب لعبة خطيرة: إنها تحاول إرضاء الطرفين معاً، لكنها في النهاية تخاطر بإغضاب الكل.

الدرس المستفاد من تاريخ الصراعات المشابهة—من تيمور الشرقية إلى كاليدونيا الجديدة ذاتها في الثمانينيات—أن التسويات المؤقتة لا تدوم. اتفاقيات نوميا صمدت لعقود، لكنها انهارت عندما تغيرت الظروف الديموغرافية والسياسية. اليوم، نحن أمام لحظة مشابهة لما حدث في جنوب أفريقيا قبل نهاية الأبارتايد: إما أن ينتصر الحوار، أو أن يفرض الواقع نفسه عبر العنف.

برأيي، باريس تراهن على الوقت، لكن الوقت ليس في صالحها. الناخبون في كاليدونيا الجديدة يريدون جواباً واضحاً: هل نحن مستقلون أم لا؟ نصف الإجابات لا تنفع في مثل هذه القضايا. الاحتجاجات الأخيرة أثبتت أن القمع لا ينجح، وأن الحوار هو السبيل الوحيد. لكن الحوار يحتاج إلى طرفين جادين، وهو ما لم نره بعد.

الانتخابات اليوم قد تمنح الجميع مهلة، لكنها لن تحسم الأمور. القادم أصعب: مفاوضات دستورية ستحدد مستقبل الأرخبيل لعقود. إذا فشلت هذه المفاوضات، فإن كاليدونيا الجديدة قد تصبح نموذجاً لفشل إنهاء الاستعمار في القرن الحادي والعشرين. وإذا نجحت، فستكون درساً للعالم في كيفية تجاوز الانقسامات العميقة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من تحليلات

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →