خاص - كوانتم
في مشهد يذكّر بالهدوء الذي يسبق العواصف، اصطف الناخبون في كاليدونيا الجديدة صباح اليوم أمام مراكز الاقتراع لانتخاب برلمانات المقاطعات الثلاث، في أول اختبار سياسي شامل منذ الاحتجاجات الدامية التي هزت الأرخبيل في مايو 2024. حتى الساعة الخامسة مساءً، بلغت نسبة المشاركة 54.42%، وهو رقم يعكس توتراً مترقباً أكثر من كونه حماسة انتخابية.
على طول الشوارع الرئيسية في نوميا، العاصمة، كانت دوريات الشرطة والدرك تملأ الأفق، بينما حلقت طائرة استطلاع فوق الجزر. لم تكن هذه الانتخابات مجرد عملية ديمقراطية روتينية؛ إنها استفتاء على مصير اتفاقيات نوميا التاريخية التي أنهت عقداً من العنف في الثمانينيات، وأرست مساراً لتقرير المصير. فبعد ثلاث استفتاءات فشل فيها الانفصاليون في تحقيق الاستقلال (2020 و2021 و2022)، دخلت العملية السياسية في نفق مسدود، ثم جاءت احتجاجات 2024 لتؤكد أن الجرح لا يزال مفتوحاً.
الفرق هذه المرة أن الاقتراع يجري في ظل مراجعة دستورية تلوح في الأفق، حيث تسعى باريس إلى تجميد القوائم الانتخابية بطريقة تحد من مشاركة المهاجرين الجدد، وهو ما يعتبره الكاناك—السكان الأصليون—محاولة لتغيير التركيبة السكانية لصالح الموالين لفرنسا. رئيس حكومة الأرخبيل، لويس مابو، وصف الانتخابات بأنها "لحظة حاسمة"، بينما دعا زعيم المعسكر المناهض للاستقلال، سونيا باكار، إلى "تصويت عقابي" ضد سياسات باريس.
لكن ما يجعل هذه الانتخابات مختلفة هو أن نتائجها ستحدد تشكيل المجالس الإقليمية الثلاثة، التي بدورها ستنتخب كونغرس كاليدونيا الجديدة. وهذا الكونغرس هو المخول بالتفاوض مع فرنسا حول أي تعديلات دستورية. بعبارة أخرى، من يفوز اليوم يمسك بزمام مفاوضات المصير.
في بلدة بواي، معقل الانفصاليين، بدت الأجواء مشحونة. هناك، قال لي أحد الناخبين—وهو مدرس في الخمسين من عمره—: "نحن نصوت لنقرر من يفاوض عنا، لا لنقرر الاستقلال الآن. لكن القادم أعظم." في المقابل، في حي فاليه دي كولون، حيث يقطن الموالون، كان الحديث يدور حول الاستقرار. "فرنسا باقية، وهذا ما نريده لأطفالنا،" قالت سيدة أربعينية تمسك بيد ابنتها الصغيرة.
المراقبون يرون أن نسبة المشاركة المرتفعة نسبياً رغم الأجواء المتوترة تشير إلى أن الشعب يريد كسر الجمود السياسي. لكن السؤال الأعمق: هل ستقبل الأطراف الخاسرة بالنتيجة؟ تجارب الماضي القريب تقول إن الاحتجاجات يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
في غرفة الأخبار هنا، نعلم أن الأرقام الأولية لن تخبرنا بالحقيقة كاملة. الحقيقة ستظهر في الأيام المقبلة، حين تبدأ المشاورات حول تشكيل الحكومة المحلية، وحين يعود ملف الاستقلال إلى الواجهة. كاليدونيا الجديدة تقف على حافة مفترق طرق: إما العودة إلى طاولة الحوار، أو الانزلاق مجدداً إلى دوامة العنف. الانتخابات اليوم هي مجرد البداية.
