سياسة

كاليدونيا الجديدة تنتخب برلمانات المقاطعات في هدوء حذر بعد احتجاجات 2024

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٤٦ ص4 دقائق قراءة
كاليدونيا الجديدة تنتخب برلمانات المقاطعات في هدوء حذر بعد احتجاجات 2024

أدلى الناخبون في كاليدونيا الجديدة بأصواتهم في أول انتخابات لبرلمانات المقاطعات منذ 2019، بنسبة مشاركة بلغت 54.42% حتى الساعة الخامسة مساءً، وسط تعزيزات أمنية مكثفة. الاقتراع يحدد ملامح مفاوضات المستقبل المؤسسي المتوقفة منذ احتجاجات مايو 2024.

شهدت كاليدونيا الجديدة، الأحد، انتخابات برلمانات المقاطعات الثلاث، في أول اقتراع من نوعه منذ عام 2019، وذلك في أجواء من الهدوء النسبي والترقب الحذر. وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها أمام الناخبين للإدلاء بأصواتهم في هذا الاستحقاق المصيري، الذي يُنتظر أن يحدد ملامح المرحلة المقبلة في الأرخبيل الواقع في المحيط الهادئ، ويؤثر على مسار مفاوضات المستقبل المؤسسي المتوقفة منذ احتجاجات مايو/أيار 2024.

وبلغت نسبة المشاركة حتى الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت المحلي 54.42%، وهي نسبة تعكس اهتمام الناخبين بهذا الاستحقاق رغم التوترات السياسية السائدة. وقد عززت السلطات الأمنية وجودها في مختلف أنحاء الأرخبيل، حيث نشرت نحو 2400 عنصر من قوات الأمن لضمان سير العملية الانتخابية بسلاسة ومنع أي تجاوزات أو اضطرابات.

وتأتي هذه الانتخابات في وقت حساس تمر به كاليدونيا الجديدة، حيث تتطلع الأطراف المختلفة إلى تحقيق مكاسب سياسية تعزز مواقفها في المفاوضات المستقبلية حول وضع الأرخبيل. ويشهد المشهد السياسي انقساماً حاداً بين مؤيدي الاستقلال عن فرنسا، والموالين للبقاء ضمن الجمهورية الفرنسية، وهو ما يضفي على هذه الانتخابات أهمية استثنائية.

وتتولى برلمانات المقاطعات الثلاث — وهي المقاطعة الجنوبية والشمالية وجزر لويالتي — صلاحيات واسعة في مجالات التنمية المحلية والتعليم والصحة والبنية التحتية، مما يجعلها محوراً أساسياً في إدارة الشؤون اليومية للسكان. كما أن نتائج هذه الانتخابات ستؤثر بشكل مباشر على توزان القوى في كونغرس كاليدونيا الجديدة، وهو الهيئة التشريعية العليا التي تضم ممثلين عن المقاطعات.

وتشير التوقعات الأولية إلى أن الاقتراع قد يشهد تقارباً في النتائج بين المعسكرين المتنافسين، في ظل حالة من الجمود السياسي تعيشها البلاد منذ العام الماضي. وكانت احتجاجات مايو 2024 قد أسفرت عن تعليق المفاوضات حول مستقبل الأرخبيل، والتي كانت تهدف إلى تحديد موعد استفتاء جديد على الاستقلال، بعد ثلاث استفتاءات سابقة انتهت برفض الانفصال.

ويرى مراقبون أن هذه الانتخابات تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف السياسية على إدارة الخلافات عبر صناديق الاقتراع، بدلاً من الشارع. كما أنها تشكل فرصة لإعادة إطلاق الحوار السياسي المتعثر، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها السكان، والتي تتفاقم بسبب جائحة كوفيد-19 وتداعياتها.

ويتطلع الناخبون في كاليدونيا الجديدة إلى أن تسفر هذه الانتخابات عن تشكيل مجالس مقاطعات قادرة على تلبية احتياجاتهم التنموية وتحسين مستوى الخدمات الأساسية. كما يأملون في أن تسهم النتائج في تهدئة الأوضاع وفتح صفحة جديدة من الاستقرار السياسي، بعد سنوات من التوتر والاحتجاجات.

ومع إغلاق مراكز الاقتراع مساء الأحد، بدأت عمليات فرز الأصوات التي يُتوقع أن تستمر عدة أيام قبل الإعلان عن النتائج الرسمية. وستكون الأنظار في الأرخبيل وخارجه موجهة نحو هذه النتائج، التي قد تحدد شكل العلاقة بين كاليدونيا الجديدة وباريس في السنوات المقبلة.

رأي ستاف كوانتم

تحريرياً، تمثل انتخابات برلمانات المقاطعات في كاليدونيا الجديدة محطة مفصلية في مسار الأرخبيل نحو تقرير مصيره، لكنها تأتي في ظل تعقيدات تاريخية وسياسية عميقة. فمنذ اتفاقية نوميا عام 1998، التي أرست عملية انتقالية للاستقلال تدريجياً، شهدت كاليدونيا الجديدة سلسلة من الاستفتاءات التي انتهت برفض الانفصال، لكن الانقسام بين الموالين لفرنسا والمستقلين ظل قائماً، بل تعزز.

تاريخياً، تعود جذور الصراع إلى الاستعمار الفرنسي للجزيرة في القرن التاسع عشر، وما ترتب عليه من تهميش لسكان الكاناك الأصليين لصالح المستوطنين الأوروبيين. هذا الإرث لا يزال يلقي بظلاله على المشهد السياسي، حيث تطالب حركات الاستقلال بإعادة توزيع الثروات والاعتراف بالهوية الكاناكية، بينما تتمسك القوى الموالية لفرنسا بالبقاء ضمن الجمهورية الفرنسية حفاظاً على المكاسب الاقتصادية والأمنية.

اقتصادياً، تعتمد كاليدونيا الجديدة بشكل كبير على دعم باريس وقطاع التعدين، خصوصاً النيكل، الذي يشكل عماد الاقتصاد المحلي. ومع تقلبات أسعار النيكل عالمياً وتأثير الجائحة، تتفاقم الأوضاع المعيشية، مما يغذي الاحتجاجات الاجتماعية التي تتحول أحياناً إلى مواجهات سياسية. انتخابات المقاطعات قد تكون فرصة لإعادة توجيه الأولويات الاقتصادية نحو التنمية المستدامة وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي.

على الصعيد الإقليمي، تراقب دول المحيط الهادئ عن كثب تطورات كاليدونيا الجديدة، نظراً لأهميتها الجيوسياسية. فالأرخبيل يشكل نقطة تواجد فرنسي استراتيجي في المنطقة، وسط تنامي النفوذ الصيني والأمريكي. أي تغيير في وضع كاليدونيا الجديدة قد يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية، مما يزيد من تعقيد المفاوضات بين الأطراف المحلية وباريس.

التوقعات المستقبلية تشير إلى أن هذه الانتخابات لن تحسم الصراع بشكل نهائي، بل قد تؤدي إلى فترة من الهدوء النسبي تتيح استئناف الحوار. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد صيغة توافقية ترضي الطرفين، سواء عبر حكم ذاتي موسع أو استقلال تدريجي. في غياب حلول وسط، قد تشهد كاليدونيا الجديدة مزيداً من الاحتجاجات والتوترات، مما يعيد إنتاج الأزمة في دورتها الجديدة.

في المحصلة، انتخابات المقاطعات ليست مجرد عملية إجرائية، بل هي استفتاء على مستقبل الأرخبيل برمته. وعلى القوى السياسية أن تدرك أن الاستقرار لا يتحقق إلا بالحوار والتنازلات المتبادلة، وأن صناديق الاقتراع وحدها لا تكفي لبناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →