شهدت كاليدونيا الجديدة، الأحد، انتخابات برلمانات المقاطعات الثلاث، في أول اقتراع من نوعه منذ عام 2019، وذلك في أجواء من الهدوء النسبي والترقب الحذر. وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها أمام الناخبين للإدلاء بأصواتهم في هذا الاستحقاق المصيري، الذي يُنتظر أن يحدد ملامح المرحلة المقبلة في الأرخبيل الواقع في المحيط الهادئ، ويؤثر على مسار مفاوضات المستقبل المؤسسي المتوقفة منذ احتجاجات مايو/أيار 2024.
وبلغت نسبة المشاركة حتى الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت المحلي 54.42%، وهي نسبة تعكس اهتمام الناخبين بهذا الاستحقاق رغم التوترات السياسية السائدة. وقد عززت السلطات الأمنية وجودها في مختلف أنحاء الأرخبيل، حيث نشرت نحو 2400 عنصر من قوات الأمن لضمان سير العملية الانتخابية بسلاسة ومنع أي تجاوزات أو اضطرابات.
وتأتي هذه الانتخابات في وقت حساس تمر به كاليدونيا الجديدة، حيث تتطلع الأطراف المختلفة إلى تحقيق مكاسب سياسية تعزز مواقفها في المفاوضات المستقبلية حول وضع الأرخبيل. ويشهد المشهد السياسي انقساماً حاداً بين مؤيدي الاستقلال عن فرنسا، والموالين للبقاء ضمن الجمهورية الفرنسية، وهو ما يضفي على هذه الانتخابات أهمية استثنائية.
وتتولى برلمانات المقاطعات الثلاث — وهي المقاطعة الجنوبية والشمالية وجزر لويالتي — صلاحيات واسعة في مجالات التنمية المحلية والتعليم والصحة والبنية التحتية، مما يجعلها محوراً أساسياً في إدارة الشؤون اليومية للسكان. كما أن نتائج هذه الانتخابات ستؤثر بشكل مباشر على توزان القوى في كونغرس كاليدونيا الجديدة، وهو الهيئة التشريعية العليا التي تضم ممثلين عن المقاطعات.
وتشير التوقعات الأولية إلى أن الاقتراع قد يشهد تقارباً في النتائج بين المعسكرين المتنافسين، في ظل حالة من الجمود السياسي تعيشها البلاد منذ العام الماضي. وكانت احتجاجات مايو 2024 قد أسفرت عن تعليق المفاوضات حول مستقبل الأرخبيل، والتي كانت تهدف إلى تحديد موعد استفتاء جديد على الاستقلال، بعد ثلاث استفتاءات سابقة انتهت برفض الانفصال.
ويرى مراقبون أن هذه الانتخابات تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف السياسية على إدارة الخلافات عبر صناديق الاقتراع، بدلاً من الشارع. كما أنها تشكل فرصة لإعادة إطلاق الحوار السياسي المتعثر، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها السكان، والتي تتفاقم بسبب جائحة كوفيد-19 وتداعياتها.
ويتطلع الناخبون في كاليدونيا الجديدة إلى أن تسفر هذه الانتخابات عن تشكيل مجالس مقاطعات قادرة على تلبية احتياجاتهم التنموية وتحسين مستوى الخدمات الأساسية. كما يأملون في أن تسهم النتائج في تهدئة الأوضاع وفتح صفحة جديدة من الاستقرار السياسي، بعد سنوات من التوتر والاحتجاجات.
ومع إغلاق مراكز الاقتراع مساء الأحد، بدأت عمليات فرز الأصوات التي يُتوقع أن تستمر عدة أيام قبل الإعلان عن النتائج الرسمية. وستكون الأنظار في الأرخبيل وخارجه موجهة نحو هذه النتائج، التي قد تحدد شكل العلاقة بين كاليدونيا الجديدة وباريس في السنوات المقبلة.
